فهرس الكتاب

الصفحة 568 من 613

وبعد ذلك هذا يقوم بيت المال بالمصارف للمحتاجين، ويوزّع الحقوق لأصحابها، فهو ليس بيت مال أبيه يُحسن به على الناس!، إنما هذا حق شخصي يأخذه من بيت المال.

جاء قاتل زيد بن الخطاب إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، قتله في حروب الردة ثم عاد إلى الإسلام وحسُن إسلامه ورجع إلى المدينة، وكانت له حصَّة في بيت المال، فجاء إلى عمر بن الخطاب ليأخذ عطاءه، فعمر يكره أن يرى قاتل أخيه كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يحب أن يرى قاتل عمّه حمزة.

فلما جاء ليُعطيه عطاءه فقال له عمر:"إني لا أحبك"، فالرجل يعرف حقوقه، فقال له:"أينقص هذا من عطائي شيئًا؟"، فقال له عمر:"لا، ولكني لا أحبك"، فقال له:"إنما يأسى على الحُب النساء" [1] !.

فالرجل أخذ حقه من بيت المال، بيت المال يُعطي للرجل حقًا وليست صدقة ولا كفالة ولا إحسانًا ولا مِنَّة، وبالتالي لا ينبني عليه: فِكّر هكذا وصرّح هكذا وأفتي هكذا!؟ فحينما يكون المال صدقة طِبقًا للأحكام الشعبيَّة:"طعمي التم تستحي العين"؛ وما أكملها العوام:"يسكت الفم"؛ فلا يكون الرجل في الجهاد حُرًا حينما يكون تمويله من مصدر خارجي. وإنما حينما يأخذ حقه من بيت المال يكون حُرًا في تفكيره وحركته.

فالإسلام بُني على الحرية، قام الأعرابي فقال لعمر:"لا سمع ولا طاعة حتى نعلم قصة الثوب"، فالقضية أنه جاءت أثواب فوزَّع أمير المؤمنين على الأمة ثوبًا ثوبًا، ووجدوه قائمًا في الخطبة يرتدي ثوبين، فبدأ يتكلم ويقول: اسمعوا وأطيعوا .. ، فقال له: لا سمع ولا طاعة، فلم يقل عمر لأمن الدولة:"خذوا هذا الرجل واقطعوا كفالته فقد أساء الأدب"!، قال: يا عبد الله بن عمر أجبهم، فقال لهم:"إن أبي رجل طوال فأعطيته ثوبي حتى يصِل ثوبه"؛ فأخذ ثوبه وثوب ابنه، فقال له:"الآن نسمع ونطيع"، وجلس.

فعمر نفسه قوَّم هذه القضية في الأمة، وحرضَّهم عليها، قال:"لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها، أرأيتم لو اعوجَجتُ ماذا تفعلون؟، قالوا: نقوِّمك بسيوفنا، فقال: الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يُقوِّم عمر بالسيف إذا اعوجّ" [2] .

أول مصدر للكبت هو المصادر المالية، الدول الخليجية تُسكت دول الطَّوق لأنها تُعطيها أموالًا، فتُكست إذاعاتها وشعراءها وصحافييها، صحفي أردني يكتب مقالة عن الكويت فتشتكي سفارة الكويت، فتأتي الحكومة الأردنية تُغلق الصحيفة.

(1) ذكر القصّة المبرد في (الكامل في اللغة والأدب) . 2/ 145

(2) القصة ذكرها ابن الجوزي في (صفة الصفوة) (12/ 203) وغيره بلا إسناد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت