فهذه القضايا منتهية في الإسلام؛ لأن النظام المالي في الإسلام يقوم على مواد لبيت المال، وبيت المال عليه مصارف للمحتاجين وأصحاب الحقوق. فبيت المال ليس شخصًا يمنّ عليك إذا أعطاك المال، إنما هو شخصية اعتبارية، فالمحتاجون أصحاب حقوق، فمن يأخذ سهمًا ويأخذ مرتبًا هو صاحب حق، فسمَّاها الرسول -صلى الله عليه وسلم- حقًا قال: (إِنَّ فِي المَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ) [1] .
فمن أين تأتي موارد بيت المال؟ لو نظرت في النظام الإسلامي تجد في كل كتب السياسة الشرعية أن موارد البيت المال أساسًا من الغنيمة، وبعدها الفيء، ثم الجزية. فالغنيمة والفيء والجزية هي من موارد الجهاد، وبعدها الموارد الشرعية الأخرى وهي ثانوية مثل العشور، والخراج، والزكاة؛ فهذه هي موارد الدولة، موارد بيت المال.
فهذا نظام وضعه الله -سبحانه وتعالى- ولم يضعه البشر، فهو نظام مُحكم خلقه رب العالمين متوازن وليس فيه ثغرات. فعندما تموّل كل أطراف الدائرة المركز يصير المركز أغنى من كل الدائرة، لأنها كلها تصبُّ فيه، فيستطيع أن يوزّع على الأطراف. أما في عمل التنظيمات المركز يموّل الدائرة، إنما هنا في النظام الإسلامي الدائرة تمّول المركز، فتقوم بالغنيمة وتأتي له بعشرين بالمائة، وتأتي بفيء يدخل كله، وتأتي بجزية تدخل كلها، فالكل يُعطي المركز، إنما في التنظيم المركز يُعطي الكُل فيُفلس، ومع تجفيف المنابع يُفلس بالكليَّة؛ فهو نظام خاطئ ويجب أن نعود للنظام السَّليم.
الأمر الآخر أن أغنى الأغنياء في المجتمع الإسلامي كانوا هم المجاهدون، لأن أربعة أخماس الغنيمة يوزَّع، فأغنى ثلاثة من الصحابة هم: عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام -رضي الله عنهم أجمعين-، فعثمان تاجر، وابن عوف تاجر، فمن أين أتت ثروة الزبير حتى ضاهت ثروة التجار الكبار؟ جاءت من الغزو، كان له حائط سهم من إحدى الغزوات؛ فحينما توفى بيع لأهله وأولاده بألفي ألف أي مليونين، وقُطعت ثروته بفؤوس الذهب، وكل نسائه وأولاده أخذوا الأموال واستغنوا، وكانت كل أمواله من الغنيمة.
في الصحابة كان المجاهدون كبار الأغنياء بسبب الفتوح، وجاء الأمويون فكان أغنى الأغنياء هم القادة، وجاء العباسيون كانوا كذلك، وجاء العثمانيون فكان أصحاب الثروات هم الباشوات؛ لأن أموالهم جاءت من الغزو.
(1) سنن الترمذي (660) ، قال الترمذي:"هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِذَاكَ .."، ضعفه الالباني.