فهرس الكتاب

الصفحة 572 من 613

المعركة، وما سمع نصيحة الشيوخ وكلام دريد بن الصمّة الذي قال له لا تأخذوهم، إذا قاتلتم لن يفيدوكم وإن انهزمتم خلَّفتموهم وراءكم. فجاء مالك -كمعظم الأمراء- ووضع السيف على بطنه وقال: إن لم تأخذوا برأيي سأنتحر!، فقالوا له: لا تنتحر، نحن نتمنى لك طول البقاء، ونفعل ما تريد!.

فقال دريد الأبيات المشهورة:

أمَرْتُهُمُ أَمْرِي بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى ... فلَمْ يَسْتَبِينُوا الرُّشْدَ إلا ضُحَى الغَد

ومَا أنَا إلا من غَزِيَّةَ إنْ غوَتْ ... غوَيْتُ وإنْ تَرشُدْ غزَّيَةُ أَرْشُد

فأخذوا برأي مالك وأخذوا النساء والأموال فغنمهم المسلمون. وانتحر دريد في المعركة عمليًا، رأى واحدًا من أبناء الأنصار يريد أن يقتله فقال له: سيفك هذا لا يقتل، خذ سيفي هذا أنا أقاتل به من سنين، وقال له: بئس ما علَّمتك أمك القتل!، فعلّمه كيف يقتله ليرتاح من هذا الذُّل بعد أن لم يسمعوا قوله ..

فالشاهد كانت الغنائم عظيمة، حتى قيل: كان ما بين جبل كذا وكذا من الغنم، فحينما وزَّع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الغنائم، وزَّع على الذين فرُّوا من المعركة وانكشفوا عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أكبر حصة، وبعضهم قال كلامًا قد يفيد الردة، مثل أبي سفيان وأولاده وبعض فرسان العرب ومسلمي الفتح والطُّلقاء وغيرهم.

حتى جاء أحد الذين فرُّوا وقال للرسول -صلى الله عليه وسلم- قصيدة فأعطاه وقال: (اقطعوا عني لسانه) ، وجاء أبو سفيان وكان ممن فرّ فقال: أعطني، فأعطاه مائة من الإبل، فقال: ولابني معاوية، فأعطاه مائة، وقال: لابني يزيد، فأعطاه مائة. وجاءه من الأعراب حديثي الإسلام، فقال: أعطني، فأعطاه، فقال: زدني، فأعطاه، فقال: زدني فأعطاه، فخرج الرجل يصيح:"أيها الناس أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر".

فجاء الأنصار وقالوا:"رجلٌ لقي قومه"؛ أي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجل من قريش فلقي قريشًا ووزَّع عليهم الغنائم، وهذه كلمة كبيرة والذي بلَّغ الرسالة هو سعد بن عبادة، فقال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: هكذا يقول الناس، فقال له: (وأنت ماذا تقول؟) ، فأجابه:"إنما أنا رجل من قومي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت