فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 613

هناك بعض علماء المسلمين والتابعين خرجوا وحملوا السلاح ليس للكفر بل لزيادة الظلم والجور، ولزيادة الانحراف، وسيدهم ورأسهم الإمام الحسين -رضي الله عنه- خرج مع بني أمية، ومنهم ابن الأشعث خرج على الحجَّاج، ومنهم عبد الله بن الزبير خرج على الأمويين ولم يكونوا قد كفروا.

فهناك طائفة من أئمة الإسلام يرون الخروج بغير الكفر، وأنا على هذا المذهب وأدلّته قوية جدًا، إذا بلغت المظالم حدًا أصبح غير مُحتمل، وتعطيل مصالح الناس أصبح غير محتمل، لم يكفر الإمام الأكبر ولكن بلغت الأمور حدًا غير معقول، فهناك طائفة من علماء الإسلام غير قلائل يرون الخروج على الحاكم. وهناك كتاب للشيخ علي بن حاج -الله يفرّج عنه- اسمه: (فصل الكلام في مواجهة ظلم الحكام) ، جمع أدلة أهل السنة، وأفعال الأئمة الذين رأوا الخروج بدون كفر.

وفي هذا الباب فتاوى مهمة جدًا للإمام ابن حزم، لكن لأن علماء المسلمين لهم مواقف من الإمام ابن حزم اختفى هذا الرأي، وابن حزم من خيار أئمة السياسة الشرعية، من أفضل ما كُتب في السياسة الشرعية في أبواب الجهاد في (المحلَّى) فيه كثير جدًا من هذه الآراء.

ولكن لخّص هذه الأقوال رجل من علماء المسلمين عاش قبل ألف سنة، وكان له عقل من العِظم والكِبر متقدّم عن مرحلته وهو الإمام الجويني، إمام الحرمين الجويني عاش في أواخر القرن الخامس أو أول القرن السادس، عاش في زمن السلاجقة قبل الطوائف وقبل سقوط بغداد بقليل.

كتب كتابًا اسمه (غياث الأمم في التياث الظلم؛ إذا خلا الزمان عن حاكم يحكم بشرع الله أو عالم يفتي لدين الله) ، كتب كتابًا يتخيّل فيه حاكمًا لا يحكم بشرع الله، وكان هذا قبل ألف سنة خيالًا، ويحدث ذلك في غياب الحاكم أوغاب العالم، فكتب هذا الكتاب في هذه السنين لينير السبيل في هذه الظلم من غياب الحاكم والعالم، كتاب عظيم جدًا جدًا في السياسة الشرعية، وبوبه بأرقام إلى مسائل، فيه مسألة رقم 154 انتصر فيها الإمام الجويني للخروج على الحاكم ولو لم يكفر، قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- ( .. إلا أن تروا كفرًا بواحًا) وهذه الحالة ليس فيها خلاف أصلًا.

بعض العلماء ومنهم الإمام الجويني قال لا يُشترط الكفر للخروج، أما مسألة الكفر فهذا أمر مفروغ منه. قال:"فالأصل في الإمام حفظ الدين والدنيا فإذا أصبح الإمام موئلًا للفجّار، وتعطَّلت السبل وقام النَّهب والسلب، وصار الحاكم هو رئيس العصابة ومنظّم السَّارقين، فإذا صار هذا الأمر فقد انتفى الأصل من الإمام، وإنما وُضعت الإمامة لحفظ الناس".

فقال كلامًا عظيمًا جدًا:"فخيرٌ للناس أن يغدوا بلا إمام يأكل أقوياؤهم ضعفاءهم، من أن يكون الإمام الفاجر هذا موئلًا للأقوياء ليأكلوا الضعفاء" [1] .

(1) يقول الإمام الجويني في كتابه (الغياثي) صـ 106:"فأما إذا تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، وزال السداد، وتعطلت الحقوق والحدود، وارتفعت الصيانة، ووضحت الخيانة، واستجرأ الظلمة، ولم يجد المظلوم منتصفا ممن ظلمه، وتداعى الخلل والخطل إلى عظائم الأمور، وتعطيل الثغور، فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم على ما سنقرر القول فيه على الفاهم - إن شاء الله عز وجل - وذلك أن الإمامة إنما تعنى لنقيض هذه الحالة. فإذا أفضى الأمر إلى خلاف ما تقتضيه الزعامة والإيالة، فيجب استدراكه لا محالة، وترك الناس سدى، ملتطمين لا جامع لهم على الحق والباطل أجدى عليهم من تقريرهم على اتباع من هو عون الظالمين، وملاذ الغاشمين، وموئل الهاجمين، ومعتصم المارقين الناجمين"اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت