يعني أفضل للناس أن يكونوا بلا حكومة القوي يأكل الضعيف وينتشر قطّاع الطرق، يبقى هذا أقل فسادًا من أن يكون الفساد منظَّمًا بقوة الجيش والمخابرات والحكومة فيسيطروا على الناس، لأنه في حالة الفوضى الأولى يستطيع الضعيف أن يجد سلاحًا ويدافع عن نفسه؛ أمّا في حالة الفوضى وقطع الطريق المنظَّم من قِبل الحكومة لا يستطيع الإنسان أن يدافع عن نفسه، فهو لصّ لكن يلبس بدلة ومعه قوّة القانون ومعه شرطة ويقول لك ادفع كذا.
فعندما تتنظم الجريمة ويتنظم الكفر ويتنظم النهب فقال الإمام الجويني أن يبقوا بدون إمام أفضل.
بعض العلماء قالوا بهذا الرأي، وهم ليسوا بقليل، الإمام حسين -رضي الله عنه- خرج وبنو أمية لم يكفروا، وابن الأشعث سمّيت ثورته (ثورة القرَّاء) ، لكثرة من فيها من القرّاء، أي فقهاء الأمة كالشعبي وسعيد بن المسيب ضد بني أمية وهم لم يكفروا. وكذلك العلماء الذين أفتوا بني العباس بالخروج على بني أمية وتغيير النظام دون أن يكفروا.
لكن علماء أهل السنة نتيجة المفاسد التي حدثت من الثورات والحركات أصدروا رأيًا، الجمهور -أي: الغالب وليس الكل، وأنا لست على مذهب الجمهور في هذه المسألة-، قالوا لا يُخرَج على الحاكم إلّا بعد الكفر، لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ( .. إلا أن تروا كفرًا بواحًا) [1] ، أما المظالم والجور فاستدلوا بحديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) [2] .
أريد أن أُوصل لكم بعد هذا التَّفصيل: أن هناك مسألة لم تختلف عليها الأمة منذ عبادة بن الصامت إلى يومنا هذا، وهي: أن الخروج بالسلاح واجب أو جائز حسب القدرة إذا كفر الحاكم، وهذا متَّكأ جماعات الجهاد: إذا كفر الحاكم يجب نخرج عليه.
فالآن العلماء وجدوا أن هذه أصبحت مشكلة لأن كفر الحاكم أصبح ظاهرًا، فخرج علينا سيدنا ابن عثيمين السنة الماضية بفتوى نُشرت في (مجلة الشرق الأوسط) ، قال بالحرف الواحد:"هب أن الحاكم قد كفر، فهذا ليس موجبًا لأن نوغِر عليه الصدور وأن يخرج عليه الناس وتحصل الشرور"!.
هذه انفرد بها ابن عثيمين، وصنعت جدلًا في الصحافة ثم نامت. ثم فسَّر كلامه حتى لا يَظنّ الناس أنه يتكلم عن السعودية، فقال:"ولا يظن الرجل أني أتكلم عن حكومة المملكة، فنحن بلادنا محكومة بالشريعة والحمد لله، ولا أتحدث عن بلادنا، فقال أتكلم عن باقي ممالك المسلمين"!.
(1) صحيح البخاري (7056) ، صحيح مسلم (1709) .
(2) صحيح مسلم (1847) .