فهرس الكتاب

الصفحة 1005 من 1257

الثقة والطمأنينة، ونتخذ من الزلزال بشيرا بالنصر. فنثبت ونستقر، ونقوى ونطمئن، ونسير في الطريق. .

وهذا هو التوازن الذي صاغ ذلك النموذج الفريد في صدر الإسلام. النموذج الذي يذكر عنه القرآن الكريم مواقفه الماضية وحسن بلائه وجهاده، وثباته على عهده مع الله، فمنهم من لقيه، ومنهم من ينتظر أن يلقاه: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر. وما بدلوا تبديلا) . .

هذا في مقابل ذلك النموذج الكريه. نموذج الذين عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار. ثم ولم يوفوا بعهد الله: (وكان عهد الله مسؤولا) . .

روى الإمام أحمد - بإسناده - عن ثابت قال:"عمي أنس بن النضر - رضي الله عنه - سميت به - لم يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، فشق عليه، وقال: أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه! لئن أراني الله تعالى مشهدا فيما بعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله عز وجل ما أصنع. قال: فهاب أن يقول غيرها. فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد. فاستقبل سعد بن معاذ - رضي الله عنه - فقال له أنس - رضي الله عنه - يا أبا عمرو. أين واها لريح الجنة! إني أجده دون أحد. قال: فقاتلهم حتى قتل - رضي الله عنه - قال: فوجد في جسده بضع وثمانون بين ضربة وطعنة ورمية. فقالت أخته - عمتي الربيع ابنة النضر:فما عرفت أخي إلا ببنانه. قال: فنزلت هذه الآية: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. . . الخ قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه رضي الله عنهم. [ورواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة] ."

وهذه الصورة الوضيئة لهذا النموذج من المؤمنين تذكر هنا تكملة لصورة الإيمان، في مقابل صورة النفاق والضعف ونقض العهد من ذلك الفريق. لتتم المقابلة في معرض التربية بالأحداث وبالقرآن.

ويعقب عليها ببيان حكمة الابتلاء، وعاقبة النقض والوفاء؛ وتفويض الأمر في هذا كله لمشيئة الله:

(ليجزي الله الصادقين بصدقهم، ويعذب المنافقين - إن شاء - أو يتوب عليهم. إن الله كان غفورا رحيما) . .

ومثل هذا التعقيب يتخلل تصوير الحوادث والمشاهد - ليرد الأمر كله إلى الله، ويكشف عن حكمة الأحداث والوقائع. فليس شيء منها عبثا ولا مصادفة. إنما تقع وفق حكمة مقدرة، وتدبير قاصد. وتنتهي إلى ما شاء الله من العواقب. وفيها تتجلى رحمة الله بعباده. ورحمته ومغفرته أقرب وأكبر: (إن الله كان غفورا رحيما) . .

ويختم الحديث عن الحدث الضخم بعاقبته التي تصدق ظن المؤمنين بربهم؛ وضلال المنافقين والمرجفين وخطأ تصوراتهم؛ وتثبت القيم الإيمانية بالنهاية الواقعية:

(ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا) . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت