فهرس الكتاب

الصفحة 1045 من 1257

الباب الحادي عشر

صفات المثبطين والمعوقين

-الفرح بعدم الجهاد:

قال تعالى: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} (81) سورة التوبة

ذَمَّ اللهُ تَعَالَى المُنَافِقِينَ الذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَفَرِحُوا بِقُعُودِهِمْ بَعْدَ خُرُوجِهِ، وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَهُ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، إِغْرَاءً لَهُمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى المُنْكَرِ، وَتَثْبِيطًا لِعَزَائِمِ الْمُؤْمِنِينَ: لاَ تَخْرُجُوا إِلَى الجِهَادِ فِي الحَرِّ. فَأَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ: إِنَّ نَارَ جَهَنَّمَ الَّتِي سَيَصِيرُونَ إِلَيْهَا، هِيَ أَشَدُّ حَرًّا مِنْ قَيْظِ الصَّحْرَاءِ الذِي فَرُّوا مِنْهُ. وَلَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُدْرِكُونَ وَيَعْقِلُونَ لَمَا خَالَفُوا وَقَعَدُوا، وَلَمَا فَرِحُوا بِقُعُودِهِمْ.

وفي الظلال:

هؤلاء الذين أدركتهم ثقلة الأرض. ثقلة الحرص على الراحة، والشح بالنفقة. وقعد بهم ضعف الهمة وهزال النخوة، وخواء القلب من الإيمان. . هؤلاء المخلفون - والتعبير يلقي ظل الإهمال كما لو كانوا متاعًا يخلف أو هملًايترك - فرحوا بالسلامة والراحة (خلاف رسول الله) وتركوا المجاهدين يلاقون الحر والجهد، وحسبوا أن السلامة العامة غاية يحرص عليها الرجال! (وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل اللّه) . .

(وقالوا: لا تنفروا في الحر) وهي قولة المسترخي الناعم الذي لا يصلح لشيء مما يصلح له الرجال.

إن هؤلاء لهم نموذج لضعف الهمة، وطراوة الإرادة؛ وكثيرون هم الذين يشفقون من المتاعب، وينفرون من الجهد، ويؤثرون الراحة الرخيصة على الكدح الكريم، ويفضلون السلامة الذليلة على الخطر العزيز. وهم يتساقطون إعياء خلف الصفوف الجادة الزاحفة العارفة بتكاليف الدعوات. ولكن هذه الصفوف تظل في طريقها المملوء بالعقبات والأشواك، لأنها تدرك بفطرتها أن كفاح العقبات والأشواك فطرة في الإنسان، وأنه ألذ وأجمل من القعود والتخلف والراحة البليدة التي لا تليق بالرجال

والنص يرد عليهم بالتهكم المنطوي على الحقيقة: (وقالوا: لا تنفروا في الحر. قل: نار جهنم أشد حرًا لو كانوا يفقهون) .

فإن كانوا يشفقون من حر الأرض، ويؤثرون الراحة المسترخية في الظلال. فكيف بهم في حر جهنم وهي أشد حرًا، وأطول أمدًا ? وإنها لسخرية مريرة، ولكنها كذلك حقيقة. فإما كفاح في سبيل اللّه فترة محدودة في حر الأرض، وإما انطراح في جهنم لا يعلم مداه إلا اللّه: (فليضحكوا قليلًا وليبكوا كثيرًا جزاء بما كانوا يكسبون) . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت