ذاته عن كزازة طبيعتهم؛ واستكثار أى عطاء يناله غيرهم؛ مع أن الله قد أفاض عليهم وعلى آبائهم فلم يعلمهم هذا الفيض السماحة؛ ولم يمنعهم من الحسد والكنود:
(أم لهم نصيب من الملك ? فإذا لا يؤتون الناس نقيرا! أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ? فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة، وآتيناهم ملكا عظيما) . .
يا عجبا! إنهم لا يطيقون أن ينعم الله على عبد من عباده بشيء من عنده. . فهل هم شركاؤه - سبحانه! - هل لهم نصيب في ملكه، الذي يمنح منه ويفيض ? ولو كان لهم نصيب لضنوا - بكزازتهم وشحهم - أن يعطوا الناس نقيرا. . والنقير النقرة تكون في ظهر النواة - وهذه لا تسمح كزازة يهود وأثرتها البغيضة أن تعطيها للناس، لو كان لها في الملك نصيب! والحمد لله أن ليس لها في الملك نصيب. . وإلا لهلك الناس جميعا وهم لا يعطون حتى النقير!!!
أم لعله حسد. . حسد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين على ما آتاهم الله من فضله. . من هذا الدين الذي أنشأهم نشأة أخرى ووهب لهم ميلادا جديدا، وجعل لهم وجودا إنسانيا متميزا؛ ووهبهم النور والثقة والطمأنينة واليقين؛ كما وهبهم النظافة والطهر، مع العز والتمكين ?
وإنه فعلا للحسد من يهود. مع تفويت أطماعها في السيادة الأدبية والاقتصادية على العرب الجاهلين المتفرقين المتخاصمين. . يوم أن لم يكن لهم دين. .
ولكن لماذا يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله من النبوة والتمكين في الأرض ? وهم غارقون في فضل الله من عهد إبراهيم. . الذي آتاه الله وآله الكتاب والحكمة - وهي النبوة - وآتاهم الملك كذلك والسيادة. وهم لم يرعوا الفضل ولم يحتفظوا بالنعمة، ولم يصونوا العهد القديم، بل كان منهم فريق من غير المؤمنين. ومن يؤت هذا الفضل كله لا يليق أن يكون منهم جاحدون كافرون!
(فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به، ومنهم من صد عنه) . إنه لمن ألأم الحسد: أن يحسد ذو النعمة الموهوب! لقد يحسد المحروم ويكون الحسد منه رذيلة! أما أن يحسد الواجد المغمور بالنعمة، فهذا هو الشر الأصيل العميق! شر يهود! المتميز الفريد!
ومن ثم يكون التهديد بالسعير، هو الجزاء المقابل لهذا الشر النكير: (وكفى بجهنم سعيرا) . . في ظلال القرآن - (ج 2 / ص 155)
ـــــــــــــــ
قال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَاتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (109) سورة البقرة