ولعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاء في الجانب الآخر ألا تمضي قريش، وفي جوانحها ومشاعرها أخيلة النصر ومذاقاته. فمضى خلف قريش بالبقية ممن حضروا المعركة أمس؛ يشعر قريشا أنها لم تنل من المسلمين منالا. وأنه بقي لها منهم من يتعقبها ويكر عليها. . ولعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاء أن يشعر المسلمين، وأن يشعر الدنيا كلها من ورائهم، بقيام هذه الحقيقة الجديدة التي وجدت في هذه الأرض، حقيقة أن هناك عقيدة هي كل شيء في نفوس أصحابها. ليس لهم من أرب في الدنيا غيرها، وليس لهم من غاية في حياتهم سواها. عقيدة يعيشون لها وحدها، فلا يبقى لهم في أنفسهم شيء بعدها، ولا يستبقون هم لأنفسهم بقية في أنفسهم لا يبذلونها لها، ولا يقدمونها فداها. .
لقد كان هذا أمرا جديدا في هذه الأرض في ذلك الحين. ولم يكن بد أن تشعر الأرض كلها - بعد أن يشعر المؤمنين - بقيام هذا الأمر الجديد، وبوجود هذه الحقيقة الكبيرة. ولم يكن أقوى في التعبير عن ميلاد هذه الحقيقة من خروج هؤلاء الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح. ومن خروجهم بهذه الصورة الناصعة الرائعة الهائلة: صورة التوكل على الله وحده وعدم المبالاة بمقالة الناس وتخويفهم لهم من جمع قريش لهم - كما أبلغهم رسل أبي سفيان - وكما هول المنافقون في أمر قريش وهو ما لا بد أن يفعلوا: (الذين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل) . . هذه الصورة الرائعة الهائلة كانت إعلانا قويا عن ميلاد هذه الحقيقة الكبيرة.
ــــــــــــــــــــ
قال تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) (آل عمران:12) قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلْكَافِرينَ - وَهُمْ هُنَا اليَهُودُ: إنَّهُمْ سَيُغْلَبُونَ فِي الدُّنيا وَيُحْشَرونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيُسَاقُونَ إلى جَهَنَّمَ، لِتَكُونَ لَهُمْ مَهْدًا وَفِرَاشًا، وَبِئْسَ المَهْدُ وَالفِرَاشُ. (هَذِهِ الآيةُ نَزَلَتْ فِي يَهُودِ بَني قَيْنُقَاع. فَبَعْدَ أنْ نَصَرَ اللهُ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، جَمَعَ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - يَهُودَ المَدِينةِ، وَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ اليَهُودِ أسْلِمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكُمْ اللهُ بِمَا أصَابَ بِهِ قُرَيْشًا. فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ لاَ يَغُرَّنَّكَ مِنْ نَفْسِكَ أنَّكَ قَتَلْتَ نَفَرًا مِنْ قُرَيشٍ لاَ يَعْرِفُونَ القِتَالَ، إنَّكَ وَاللهِ لَوْ قَاتَلْتَنَا لَعَرَفْتَ أنَّا نَحْنُ النًّاسُ، وَأنَّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنَا. فَأنَزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ والتي بَعْدَهَا، وَقَدْ صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ فَقَتَلَ المُسْلِمُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَأجْلَوا بَنِي النَّضِيرِ وَبَنِي قَيْنُقَاع، وَفَتُحُوا خَيْبَرَ) .
وما يزال القرآن يعمل بحقيقته الكبيرة. وبما يتضمنه من مثل هذه الحقيقة. . إن وعد الله بهزيمة الذين يكفرون ويكذبون وينحرفون عن منهج الله، قائم في كل لحظة. ووعد الله بنصر الفئة المؤمنة - ولو قل عددها - قائم كذلك في كل لحظة. وتوقف النصر على تأييد الله الذي يعطيه من يشاء حقيقة قائمة لم تنسخ، وسنة ماضية لم تتوقف. وليس على الفئة المؤمنة إلا أن تطمئن إلى هذه الحقيقة؛ وتثق في ذلك