الْإِسْلَامِ قَبْلَ قُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ أَعَزَّ اللَّهُ أَهْلَ الْإِسْلَامِ أَنْ يَتَّقُوا عَدُوَّهُمْ"وَنَقَلَ السَّرَخْسِيُّ عَنْ قَوْمٍ لَمْ يُسَمِّهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَابَوْنَ التَّقِيَّةَ، وَيَقُولُونَ: هِيَ مِنْ النِّفَاقِ."
8 -قَالَ السَّرَخْسِيُّ: إنَّ هَذَا النَّوْعَ - يَعْنِي النُّطْقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ تَقِيَّةً - يَجُوزُ لِغَيْرِ الرُّسُلِ. فَأَمَّا فِي حَقِّ الْمُرْسَلِينَ - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - فَمَا كَانَ يَجُوزُ ذَلِكَ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى أَصْلِ الدَّعْوَةِ إلَى الدِّينِ الْحَقِّ، وَتَجْوِيزُ ذَلِكَ مُحَالٌ - أَيْ مَمْنُوعٌ شَرْعًا - لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يُقْطَعَ الْقَوْلُ بِمَا هُوَ شَرِيعَةٌ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ أَوْ قَالَهُ تَقِيَّةً. وَهُوَ يُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى مَا يُبَيِّنُهُ أَهْلُ الْأُصُولِ مِنْ أَنَّ حُجِّيَّةَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى كَوْنِ كُلِّ مَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَقًّا، إذْ لَوْ تَطَرَّقَ إلَى أَقْوَالِهِ أَوْ أَفْعَالِهِ احْتِمَالٌ أَنَّهُ فَعَلَ أَوْ قَالَ أَشْيَاءَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ وَهِيَ حَرَامٌ، لَكَانَ ذَلِكَ تَلْبِيسًا فِي الدِّينِ، وَلَمَا حَصَلَتْ الثِّقَةُ بِأَقْوَالِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَفْعَالِهِ. وَكَذَلِكَ السُّكُوتُ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم عَلَى مَا يَرَاهُ وَيَسْمَعُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ إقْرَارٌ تُسْتَفَادُ مِنْهُ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ، فَلَوْ كَانَ بَعْضُ سُكُوتِهِ يَكُونُ تَقِيَّةً لَالْتَبَسَتْ الْأَحْكَامُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاَللَّهِ حَسِيبًا} ، وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْك مِنْ رَبِّك وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْت رِسَالَتَهُ وَاَللَّهُ يَعْصِمُك مِنْ النَّاسِ إنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: دَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى رَدِّ قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَتَمَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الدِّينِ تَقِيَّةً، وَعَلَى بُطْلَانِهِ وَهُمْ الرَّافِضَةُ. قَالَ شَارِحُ مُسَلَّمِ الثُّبُوتِ: مَا مِنْ نَبِيٍّ إلَّا بُعِثَ بَيْنَ أَعْدَائِهِ، فَلَعَلَّهُ - أَيْ فِي حَالِ افْتِرَاضِ عَمَلِهِ بِالتَّقِيَّةِ - كَتَمَ شَيْئًا مِنْ الْوَحْيِ خَوْفًا مِنْهُمْ، وَكَذَا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم بُعِثَ بَيْنَ أَعْدَائِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ قُدْرَةٌ لِدَفْعِهِمْ فَيَلْزَمُ عَلَى تَجْوِيزِ التَّقِيَّةِ لَهُ احْتِمَالُ كِتْمَانِهِ شَيْئًا مِنْ الْوَحْيِ، وَأَنْ لَا ثِقَةَ بِالْقُرْآنِ. فَانْظُرْ إلَى شَنَاعَةِ هَذَا الْقَوْلِ وَحَمَاقَتِهِ. عَلَى أَنَّ امْتِنَاعَ التَّقِيَّةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ لَا يَعْنِي عَدَمَ عَمَلِهِمْ بِالْمُلَاطَفَةِ وَاللِّينِ وَالْمُدَارَاةِ لِلنَّاسِ كَمَا تَقَدَّمَ، أَيْ مِنْ دُونِ إخْلَالٍ بِفَرِيضَةٍ أَوْ ارْتِكَابٍ لِمُحَرَّمٍ.
حُكْمُ الْعَمَلِ بِالتَّقِيَّةِ:
9 -تَقَدَّمَتْ الْأَدِلَّةُ عَلَى جَوَازِ الْعَمَلِ بِالتَّقِيَّةِ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي حُكْمِهَا. فَقِيلَ: إذَا وُجِدَ سَبَبُهَا وَتَحَقَّقَ شَرْطُهَا فَهِيَ وَاجِبَةٌ، لِأَنَّ إنْقَاذَ النَّفْسِ مِنْ الْهَلَكَةِ أَوْ الْإِيذَاءِ الْعَظِيمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهَا فِي تَقْدِيرِ الْمُكَلَّفِ لقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْأَوْلَى لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ بِظَاهِرِهِ، كَمَا هُوَ عَلَيْهِ بِبَاطِنِهِ. وَقَدْ يَكُونُ الثَّبَاتُ أَفْضَلَ وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَمَثُوبَةً وَلَوْ كَانَ الْعُذْرُ قَائِمًا، وَثَبَتَ هَذَا بِالْأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَمِنْ الْكِتَابِ مَا فِي سُورَةِ الْبُرُوجِ، فَقَدْ حَكَى اللَّهُ تَعَالَى قِصَّةَ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلَى عَذَابِ الْحَرِيقِ فِي الْأُخْدُودِ، وَاخْتَارُوا ذَلِكَ عَلَى أَنْ يُظْهِرُوا الرُّجُوعَ عَنْ دِينِهِمْ. وَثَنَاءُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ الثَّبَاتِ يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِ مَوْقِفِهِمْ عَلَى مَوْقِفِ الْعَمَلِ