فهرس الكتاب

الصفحة 286 من 1257

كما قيل في أرَقْت الماء هَرَقت، وقاله الزجاج أيضًا وأبو عليّ. وقد صرف فقيل: هَيْمَنَ يُهيمِن هَيْمَنةً، وهو مُهَيْمِن بمعنى كان أمينًا. الجوهريّ: هو من آمن غيره من الخوف؛ وأصله أامَنَ فهو مُؤَأمن بهمزتين، قلبت الهمزة الثانية ياء كراهة لاجتماعهما فصار مُؤَيْمن، ثم صيرت الأُولى هاء كما قالوا: هَرَاق الماء وأرَاقه؛ يقال منه: هَيْمن على الشيء يُهيمِن إذا كان له حافظًا، فهو مُهيمن؛ عن أبي عُبيد. وقرأ مجاهد وابن مُحيصن: «وَمُهَيْمَنًا عَلَيْهِ» بفتح الميم. قال مجاهد: أي محمد صلى الله عليه وسلم مؤتمن على القرآن.

قوله تعالى: {فاحكم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ الله} يوجِب الحكم؛ فقيل: هذا نسخ للتخيير في قوله: {فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة: 42] وقيل: ليس هذا وجوبًا، والمعنى: فاحكم بينهم إن شئت؛ إذ لا يجب علينا الحكم بينهم إذا لم يكونوا من أهل الذّمة. وفي أهل الذّمة تردّد وقد مضى الكلام فيه. وقيل: أراد فاحكم بين الخلق؛ فهذا كان واجبًا عليه.

قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ}

فيه مسألتان:

الأُولى قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} يعني لا تعمل بأهوائهم ومرادهم على ما جاءك من الحق؛ يعني لا تترك الحكم بما بيّن الله تعالى من القرآن من بيان الحق وبيان الأحكام. والأهواء جمع هوًى؛ ولا يجمع أَهْوِية؛ وقد تقدّم في «البقرة» . فنهاه عن أن يتّبعهم فيما يريدونه؛ وهو يدل على بطلان قول من قال: تقوَّم الخمر على من أتلفها عليهم؛ لأنها ليست مالًا لهم فتكون مضمونة على مُتلفها؛ لأن إيجاب ضمانها على مُتلفها حكم بموجب أهواء اليهود؛ وقد أُمرنا بخلاف ذلك. ومعنى {عَمَّا جَآءَكَ} على ما جاءك. {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} يدل على عدم التعلق بشرائع الأوّلين. والشِّرْعة والشَّرِيعة الطَّريقة الظاهرة التي يُتوصل بها إلى النجاة.

والشّرِيعة في اللغة: الطريق الذي يُتوصل منه إلى الماء. والشّريعة ما شرع الله لعباده من الدِّين؛ وقد شَرَع لهم يَشْرَع شَرْعًا أي سنّ. والشّارع الطريق الأعظم. والشِّرْعة أيضًا الوَتَر، والجمع شِرَعٌ وشِرْعٌ وشِرَاعٌ جمع الجمع؛ عن أبي عُبيد؛ فهو مشترك. والمِنهاج الطريق المستمِر، وهو النَّهْجُ والمَنْهَج، أي البيّن؛ قال الراجز:

مَن يكُ ذا شَكٍّ فهذا فَلْجُ ... ماءٌ رَوَاءٌ وطريق نَهْجُ

وقال أبو العباس محمد بن يزيد: الشّريعة ابتداء الطريق، والمنهاج المستمر. وروي عن ابن عباس والحسن وغيرهما «شِرْعَة ومِنْهَاجًا» سنّة وسبيلًا. ومعنى الآية أنه جعل التوراة لأهلها؛ والإنجيل لأهله؛ والقرآن لأهله؛ وهذا في الشّرائع والعبادات؛ والأصل التوحيد لا اختلاف فيه؛ روي معنى ذلك عن قَتادة. وقال مجاهد: الشِّرْعة والمِنهاج دين محمد عليه السلام؛ وقد نسخ به كل ما سواه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت