مَا يُمْكِنُ مِنْ الْآلَاتِ، كَالرَّمْيِ بِالنَّبْلِ، وَالنِّشَابِ، وَالسَّيْفِ، وَتَعَلُّمِ الْفُرُوسِيَّةِ، وَالتَّصَافِي، وَاتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ، وَالثِّقَةِ بِاَللَّهِ وَكُلُّ ذَلِكَ مَامُورٌ بِهِ، وَقَالَ الشِّهَابُ: إنَّمَا ذُكِرَ هَذَا هُنَا، لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم: لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِعْدَادٌ تَامٌّ فِي بَدْرٍ، فَنُبِّهُوا عَلَى أَنَّ النَّصْرَ بِدُونِ اسْتِعْدَادٍ لَا يَتَأَتَّى فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَدَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى وُجُودِ الْقُوَّةِ الْحَرْبِيَّةِ اتِّقَاءَ بَاسِ الْعَدُوِّ. وَخَصَّ رِبَاطَ الْخَيْلِ بِالذِّكْرِ - مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ بِإِعْدَادِ الْقُوَّةِ فِي الْآيَةِ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا يُتَقَوَّى بِهِ لِلْحَرْبِ عَلَى اخْتِلَافِ صُنُوفِهَا وَأَلْوَانِهَا وَأَسْبَابِهَا - لِأَنَّهَا الْأَدَاةُ الَّتِي كَانَتْ بَارِزَةً عِنْدَ مَنْ كَانَ يُخَاطِبُهُمْ الْقُرْآنُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَلَوْ أَمَرَهُمْ بِأَسْبَابٍ غَيْرِ مَعْرُوفَةٍ لَدَيْهِمْ، وَلَا يُطِيقُونَ إعْدَادَهَا لَكَانَ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ. الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 29 / ص 302)
الإعداد الإيماني باستزادة العبد من شعب الإيمان القلبية والظاهرة، العلمية والعملية ليصبح من أهل الوعد المذكورين في قوله تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} سورة الروم، الآية: 47.
وأما الثاني فهو الإعداد المادي للجهاد: بجمع السلاح وتحريض المؤمنين على القتال والبذل والنفقة، ويدخل في هذا التدريب العسكري بكل أنواعه. قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} (60) سورة الأنفال، فبيّن الحق جل وعلا أنه محيط بالكافرين قادر عليهم، لا يُعجزونه، إلا أنه سبحانه قد أمرنا ـ رغم قدرته ـ بإعداد القوة بشتى أشكالها، وأن نجتهد غاية الاستطاعة في هذا الإعداد كشرط لتحقيق الوعد الإلهي بنصر المؤمنين. ذلك لأن الدنيا دار ابتلاء ولأمور تجري فيها على الأسباب، فالله يبتلي المؤمن بالكافر ليختبر صدقَ إيمانه، هل سيجاهد الكافر ويُعِد القوة لهذا كما أمر سبحانه أم لا؟، ويبتلي الكافر بالمؤمن، هل يستجيب الكافر لدعوة الإيمان أم سيدفعها حتى القتال؟ وفي ابتلاء الفريقين بعضهم ببعض يقول الله تعالى: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} (4) سورة محمد.
ومما يدخل في الإعداد المادي توحيد صفوف المسلمين لمواجهة أعدائهم، قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (46) سورة الأنفال، فجعل سبحانه التنازع بين المسلمين من أسباب فشلهم، بل من أظهر أسباب الفشل، وذلك بالنص كما أنه سبحانه قد جعل النصر مترتبا على موالاة المؤمنين بعضهم بعضا في قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} (56) سورة المائدة