33 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى قَاذِفِ الْمُرْتَدِّ، لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ حَدِّ الْقَذْفِ: أَنْ يَكُونَ الْمَقْذُوفُ مُسْلِمًا. وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ: (قَذْفٌ)
ثُبُوتُ الرِّدَّةِ:
34 -تَثْبُتُ الرِّدَّةُ بِالْإِقْرَارِ أَوْ بِالشَّهَادَةِ. وَتَثْبُتُ الرِّدَّةُ عَنْ طَرِيقِ الشَّهَادَةِ، بِشَرْطَيْنِ: أ - شَرْطِ الْعَدَدِ: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِشَاهِدَيْنِ فِي ثُبُوتِ الرِّدَّةِ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إلَّا الْحَسَنُ، فَإِنَّهُ اشْتَرَطَ شَهَادَةَ أَرْبَعَةٍ. ب - تَفْصِيلِ الشَّهَادَةِ: يَجِبُ التَّفْصِيلُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الرِّدَّةِ بِأَنْ يُبَيِّنَ الشُّهُودُ وَجْهَ كُفْرِهِ، نَظَرًا لِلْخِلَافِ فِي مُوجِبَاتِهَا، وَحِفَاظًا عَلَى الْأَرْوَاحِ. وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ: (إثْبَاتٌ، وَشَهَادَةٌ) . وَإِذَا ثَبَتَتْ الرِّدَّةُ بِالْإِقْرَارِ وَبِالشَّهَادَةِ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. وَإِنْ أَنْكَرَ الْمُرْتَدُّ مَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ اُعْتُبِرَ إنْكَارُهُ تَوْبَةً وَرُجُوعًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَيَمْتَنِعُ الْقَتْلُ فِي حَقِّهِ. وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ: يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالشَّهَادَةِ وَلَا يَنْفَعُهُ إنْكَارُهُ، بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَاتِيَ بِمَا يَصِيرُ بِهِ الْكَافِرُ مُسْلِمًا.
اسْتِتَابَةُ الْمُرْتَدِّ حُكْمُهَا:
35 -ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ - فِي قَوْلٍ - وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إلَى أَنَّ اسْتِتَابَةَ الْمُرْتَدِّ غَيْرُ وَاجِبَةٍ. بَلْ مُسْتَحَبَّةٌ كَمَا يُسْتَحَبُّ الْإِمْهَالُ، إنْ طَلَبَ الْمُرْتَدُّ ذَلِكَ، فَيُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَعِنْدَ مَالِكٍ تَجِبُ الِاسْتِتَابَةُ وَيُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي أَظْهَرِ الْأَقْوَالِ يَجِبُ الِاسْتِتَابَةُ وَتَكُونُ فِي الْحَالِ فَلَا يُمْهَلُ. وَثَبَتَتْ الِاسْتِتَابَةُ بِمَا وَرَدَ {أَنَّ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ رُومَانَ ارْتَدَّتْ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ فَإِنْ تَابَتْ وَإِلَّا قُتِلَتْ} . وَلِأَثَرٍ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ اسْتَتَابَ الْمُرْتَدَّ ثَلَاثًا.
كَيْفِيَّةُ تَوْبَةِ الْمُرْتَدِّ:
36 -قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: تَوِيَةُ الْمُرْتَدِّ أَنْ يَتَبَرَّأَ عَنْ الْأَدْيَانِ سِوَى الْإِسْلَامِ، أَوْ عَمَّا انْتَقَلَ إلَيْهِ بَعْدَ نُطْقِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَلَوْ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ أَوْ بِدُونِ التَّبَرِّي لَمْ يَنْفَعْهُ مَا لَمْ يَرْجِعْ عَمَّا قَالَ إذْ لَا يَرْتَفِعُ بِهِمَا كُفْرُهُ. قَالُوا: إنْ شَهِدَ الشَّاهِدَانِ عَلَى مُسْلِمٍ بِالرِّدَّةِ وَهُوَ مُنْكِرٌ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُ لَا لِتَكْذِيبِ الشُّهُودِ، بَلْ لِأَنَّ إنْكَارَهُ تَوْبَةٌ وَرُجُوعٌ، فَيَمْتَنِعُ الْقَتْلُ فَقَطْ وَتَثْبُتُ بَقِيَّةُ أَحْكَامِ الرِّدَّةِ. قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْكَارُ مَعَ الْإِقْرَارِ بِالشَّهَادَتَيْنِ. وَإِذَا نَطَقَ الْمُرْتَدُّ بِالشَّهَادَتَيْنِ: صَحَّتْ تَوْبَتُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: {أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَحَيْثُ إنَّ الشَّهَادَةَ يَثْبُتُ بِهَا إسْلَامُ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ فَكَذَا الْمُرْتَدُّ. فَإِذَا ادَّعَى الْمُرْتَدُّ الْإِسْلَامَ، وَرَفَضَ النُّطْقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ، لَا تَصِحُّ تَوْبَتُهُ. وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْمُرْتَدَّ إنْ مَاتَ، فَأَقَامَ وَارِثُهُ بَيِّنَةً أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَ الرِّدَّةِ: حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ تَحْصُلُ تَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ بِصَلَاتِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لَا بُدَّ