فهرس الكتاب

الصفحة 656 من 1257

(والسلطان المبين) هو الحجّة الواضحة الدالّة على نفاقهم، فلا يُخْشَى أن ينسب المسلمون في قتالهم إلى اعتداء وتفريق الجامعة. التحرير والتنوير - (ج 4 / ص 73)

قال الجصاص:

قوله تعالى: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَامَنُوكُمْ وَيَامَنُوا قَوْمَهُمْ} ، قَالَ مُجَاهِدٌ:"نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ كَانُوا يَاتُونَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَيُسْلِمُونَ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلَى قُرَيْشٍ فَيَرْتَكِسُونَ فِي الْأَوْثَانِ يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ أَنْ يَامَنُوا هَهُنَا وَهَهُنَا، فَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ إنْ لَمْ يَعْتَزِلُوا يُصْلِحُوا". وَذَكَرَ أَسْبَاطٌ عَنْ السُّدِّيِّ قَالَ:"نَزَلَتْ فِي نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيِّ، وَكَانَ يَامَنُ فِي الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ فَيَنْقُلُ الْحَدِيثَ بَيْنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَامَنُوكُمْ وَيَامَنُوا قَوْمَهُمْ} . وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُظْهِرُونَ الْإِيمَانَ إذَا جَاءُوا إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَنَّهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَى قَوْمِهِمْ أَظْهَرُوا الْكُفْرَ، لقوله تعالى: {كُلَّمَا رُدُّوا إلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا} ، وَالْفِتْنَةُ هَهُنَا الشِّرْكُ؛ وَقَوْلُهُ: {أُرْكِسُوا فِيهَا} يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ كَانُوا مُظْهِرِينَ لِلْإِسْلَامِ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ بِالْكَفِّ عَنْ هَؤُلَاءِ أَيْضًا إذَا اعْتَزَلُونَا وَأَلْقَوْا إلَيْنَا السَّلَمَ، وَهُوَ الصُّلْحُ، كَمَا أَمَرَنَا بِالْكَفِّ عَنْ الَّذِينَ يَصِلُونَ إلَى قَوْمٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَعَنْ الَّذِينَ جَاءُونَا وَقَدْ حُصِرَتْ صُدُورُهُمْ؛ وَكَمَا قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: {لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ} وَكَمَا قَالَ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} ، فَخَصَّ الْأَمْرَ بِالْقِتَالِ لِمَنْ يُقَاتِلُنَا دُونَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْنَا، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ الرِّوَايَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ وَجَائِزٌ لِلْمُسْلِمِينَ تَرْكُ قِتَالِ مَنْ لَا يُقَاتِلُهُمْ مِنْ الْكُفَّارِ، إذْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ حُكْمَ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي النَّهْيِ عَنْ قِتَالِ مَنْ اعْتَزَلَنَا وَكَفَّ عَنْ قِتَالِنَا مَنْسُوخٌ. وَمِمَّنْ حُكِيَ عَنْهُ أَنَّ فَرْضَ الْجِهَادِ غَيْرُ ثَابِتٍ ابْنُ شُبْرُمَةَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ فِيهَا حَظْرُ قِتَالِ مَنْ كَفَّ عَنْ قِتَالِنَا مِنْ الْكُفَّارِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْفُقَهَاءِ يَحْظُرُ قِتَالَ مَنْ اعْتَزَلَ قِتَالَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي جَوَازِ تَرْكِ قِتَالِهِمْ لَا فِي حَظْرِهِ فَقَدْ حَصَلَ الِاتِّفَاقُ مِنْ الْجَمِيعِ عَلَى نَسْخِ حَظْرِ الْقِتَالِ لِمَنْ كَانَ وَصْفُهُ مَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. أحكام القرآن للجصاص - (ج 4 / ص 474) "

وقال القرطبي:

قوله تعالى {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَامَنُوكُمْ وَيَامَنُوا قَوْمَهُمْ} معناها معنى الآية الأُولى. قال قتادة: نزلت في قوم من تِهامة طلبوا الأمان من النبي صلى الله عليه وسلم ليأمنوا عنده وعند قومهم. مجاهد: هي في قوم من أهل مكة. وقال السُّديّ: نزلت في نُعيم بن مسعود كان يأمن المسلمين والمشركين. وقال الحسن: هذا في قوم من المنافقين. وقيل: نزلت في أسد وغَطَفان قدموا المدينة فأسلموا ثم رجعوا إلى إلى ديارهم فأظهروا الكفر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت