الباب الثامن
عدم الاستسلام للعدو والقتال حتى آخر لحظة
1.لنكثه بالعهود والمواثيق:
قال تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} (100) سورة البقرة
وَكَانَ اليَهُودُ قَدْ قَالُوا حِينَمَا بَعَثَ اللهُ رَسُولَهَ مُحُمَّدًا صلى الله عليه وسلم: وَاللهِ، مَا عَهدَ إلينَا في مُحَمَّدٍ، وَمَا أَخَذَ عَلَينَا مِيثَاقًا. فَأنْزَلَ اللهُ هذِهِ الآيةَ.
(وَقَالَ مُفَسِرُونَ: إنَّ العُهودَ المَقْصُودَةَ هُنَا هِيَ عُهُودُهُمْ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي المَدِينة) .وَمَعْنَى الآيَةِ: إِنَّ اليَهُودَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَقَضَهُ (نَبَذَهُ) فَرِيقٌ مِنْهُمْ، وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، وَلا يُؤْمِنُونَ بِحُرْمَةِ العُهُودِ وَالمَوَاثِيقِ.
وقال السعدي:
يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} تحصل بها الهداية لمن استهدى، وإقامة الحجة على من عاند، وهي في الوضوح والدلالة على الحق، قد بلغت مبلغا عظيما ووصلت إلى حالة لا يمتنع من قبولها إلا من فسق عن أمر الله، وخرج عن طاعة الله، واستكبر غاية التكبر. {100} {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} .وهذا فيه التعجيب من كثرة معاهداتهم، وعدم صبرهم على الوفاء بها. فـ"كُلَّمَا"تفيد التكرار، فكلما وجد العهد ترتب عليه النقض، ما السبب في ذلك؟ السبب أن أكثرهم لا يؤمنون، فعدم إيمانهم هو الذي أوجب لهم نقض العهود، ولو صدق إيمانهم، لكانوا مثل من قال الله فيهم: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} .تفسير السعدي - (ج 1 / ص 60)
وفي المعجم الكبير للطبراني - (ج 15 / ص 259) (17163) عَنْ مُحَمَّدِ بن إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَاصِمُ بن عُمَرَ بن قَتَادَةَ، قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أُحُدٍ نَفَرٌ مِنْ عَضَلٍ وَالْقَارَةِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فِينَا إِسْلامًا فَابْعَثْ مَعَنَا نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِكَ يُفَقِّهُونَا فِي الدِّينِ، وَيُقْرِئُونَا الْقُرْآنَ، وَيُعَلِّمُوننَا شَرَائِعَ الإِسْلامِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَرًا سِتَّةً مِنْ أَصْحَابِهِ: مَرْثَدَ بن أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ حَلِيفَ حَمْزَةَ بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ، قَالَ: وَأَمَّا مَرْثَدُ بن أَبِي مَرْثَدٍ، وَخَالِدُ بن الْبُكَيْرِ، وَعَاصِمُ بن ثَابِتٍ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ لا نَقْبَلُ مِنْ مُشْرِكٍ عَهْدًا، وَلا عَقْدًا أَبَدًا، فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى قَتَلُوهُمْ. (حسن)
قال الحافظ ابن حجر في الفتح:
وفي الحديث أن للأسير أن يمتنع من قبول الأمان ولا يمكن من نفسه ولو قتل، أنفة من أنه يجري عليه حكم كافر، وهذا إذا أراد الأخذ بالشدة، فإن أراد الأخذ بالرخصة له أن يستأمن، قال الحسن البصري: لا بأس بذلك. وقال سفيان الثوري: أكره ذلك، وفيه الوفاء للمشركين بالعهد، والتورع عن قتل