ثم أخبر تعالى أن من ارتد عن الإسلام، بأن اختار عليه الكفر واستمر على ذلك حتى مات كافرا، {فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} لعدم وجود شرطها وهو الإسلام، {وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} . [ص 98]
ودلت الآية بمفهومها، أن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام، أنه يرجع إليه عمله الذي قبل ردته، وكذلك من تاب من المعاصي، فإنها تعود إليه أعماله المتقدمة. تفسير السعدي - (ج 1 / ص 97)
فيه اثنتا عشرة مسألة:
الأُولى قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ} تقدّم القول فيه. وروى جرير بن عبد الحميد ومحمد بن فُضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما رأيت قومًا خيرًا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة كلهنّ في القرآن: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المحيض} [البقرة: 222] ، «يسألونك عن الشهر الحرام» ، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى} [البقرة: 220] ؛ ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم. قال ابن عبد البر: ليس في الحديث من الثلاث عشرة مسألة إلا ثلاث. وروى أبو السوار عن جُنْدب بن عبد الله أن النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث رهطًا وبعث عليهم أبا عبيدة بن الحارث أو عبيدة بن الحارث؛ فلما ذهب لينطلق بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فبعث عبدَ الله بن جَحْش، وكتب له كتابًا وأمره ألاّ يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: ولا تكرهنّ أصحابك على المسير؛ فلما بلغ المكان قرأ الكتاب فاسترجع وقال: سمعًا وطاعةً لله ولرسوله، قال: فرجع رجلان ومضى بقيتهم، فلقوْا ابن الحَضْرمِيّ فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب؛ فقال المشركون: قتلتم في الشهر الحرام؛ فأنزل الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام} الآية. وروي أن سبب نزولها أن رجلين من بني كلاب لقيا عمرو بن أُميّة الضَّمْريّ وهو لا يعلم أنهما كانا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم وذلك في أوّل يوم من رجب فقتلهما؛ فقالت قريش: قتلهما في الشهر الحرام؛ فنزلت الآية. والقول بأن نزولها في قصة عبد الله بن جحش أكثر وأشهر، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم بعثه مع تسعة رَهْط، وقيل ثمانية، في جمادى الآخرة قبل بَدْر بشهرين، وقيل في رجب. قال أبو عمر في كتاب الدرر له: ولَمَّا رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من طلب كُرْز ابن جابر وتُعرف تلك الخرجة ببدر الأُولى أقام بالمدينة بقية جمادى الآخرة ورجب، وبعث في رجب عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي ومعه ثمانية رجال من المهاجرين، وهم أبو حذيفة بن عُتبة، وعُكّاشة بن مِحْصَن، وعُتْبة بن غَزْوان، وسُهيل بن بَيْضاء الفهريّ، وسعد بن أبي وَقّاص، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله التميمي، وخالد بن بُكير الليثيّ. وكتب لعبد الله بن جحش كتابًا، وأمره ألاّ ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه (فيمضي لِمَا أمره به) ولا يسْتَكْرِه أحدًا من أصحابه، وكان أميرهم، ففعل عبد الله بن جحش ما أمره به؛ فلما فتح الكتاب وقرأه وجد فيه: «إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نَخْلة بين مكة والطّائف فتَرصَّدْ بها قريشًا، وتَعلَّمْ لنا من أخبارهم» .فلما قرأ الكتاب قال: سمعًا وطاعةً؛ ثم