فهرس الكتاب

الصفحة 703 من 1257

عَلَيْهِ هُوَ الْكَذِبُ، وَأَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الْمُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ. وَالصِّلَةُ بَيْنَ التَّقِيَّةِ وَبَيْنَ النِّفَاقِ، أَنَّ الْمُنَافِقَ كَافِرٌ فِي قَلْبِهِ لَكِنَّهُ يُظْهِرُ بِلِسَانِهِ وَظَاهِرُ حَالِهِ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ وَيَعْمَلُ أَعْمَالَ الْمُؤْمِنِينَ لِيَامَنَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْمُجْتَمَعِ الْإِسْلَامِيِّ وَلِيُحَصِّلَ الْمِيزَاتِ الَّتِي يُحَصِّلُهَا الْمُؤْمِنُ. فَهُوَ مُغَايِرٌ لِلتَّقِيَّةِ، لِأَنَّهَا إظْهَارُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ مَا يَامَنُ بِهِ مِنْ أَمَارَاتِ الْكُفْرِ أَوْ الْمَعْصِيَةِ مَعَ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ فِي قَلْبِهِ، وَاطْمِئْنَانِهِ بِالْإِيمَانِ.

مَشْرُوعِيَّةُ الْعَمَلِ بِالتَّقِيَّةِ:

5 -يَذْهَبُ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ أَهْلِ السُّنَّةِ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي التَّقِيَّةِ هُوَ الْحَظْرُ، وَجَوَازُهَا ضَرُورَةٌ، فَتُبَاحُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَالتَّقِيَّةُ لَا تَحِلُّ إلَّا مَعَ خَوْفِ الْقَتْلِ أَوْ الْقَطْعِ أَوْ الْإِيذَاءِ الْعَظِيمِ، وَلَمْ يُنْقَلْ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فِيمَا نَعْلَمُ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَمُجَاهِدٍ مِنْ التَّابِعِينَ، وَإِنَّمَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَيْهَا فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ: {لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِهَا: نَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُلَاطِفُوا الْكُفَّارَ، أَوْ يَتَّخِذُوهُمْ وَلِيجَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ عَلَيْهِمْ ظَاهِرِينَ، فَيُظْهِرُونَ لَهُمْ اللُّطْفَ وَيُخَالِفُونَهُمْ فِي الدِّينِ.

6 -وَمِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّقِيَّةِ لِلضَّرُورَةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وَسَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ {أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَخَذُوا عَمَّارًا فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، فَتَرَكُوهُ. فَلَمَّا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَا وَرَاءَك؟ قَالَ: شَرٌّ، مَا تُرِكْت حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ. قَالَ: كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَك؟ قَالَ: مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ. قَالَ: إنْ عَادُوا فَعُدْ، فَنَزَلَتْ إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} .

7 -وَمِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى جَوَازِ التَّقِيَّةِ لِلضَّرُورَةِ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الْحَسَنِ، {أَنَّ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ أَخَذَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. نَعَمْ. نَعَمْ. قَالَ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَكَانَ مُسَيْلِمَةُ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ بَنِي حَنِيفَةَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ قُرَيْشٍ - ثُمَّ دَعَا بِالْآخَرِ، فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَفَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: إنِّي أَصَمُّ. قَالَهَا ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يُجِيبُهُ بِمِثْلِ الْأَوَّلِ. فَضَرَبَ عُنُقَهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَمَّا ذَلِكَ الْمَقْتُولُ فَقَدْ مَضَى عَلَى صِدْقِهِ وَيَقِينِهِ، وَأَخَذَ بِفَضْلِهِ، فَهَنِيئًا لَهُ. وَأَمَّا الْآخَرُ فَقَبِلَ رُخْصَةَ اللَّهِ فَلَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ} وَقَالَ الْحَسَنُ: التَّقِيَّةُ جَائِزَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ نَسَبَ الْقُرْطُبِيُّ إنْكَارَ التَّقِيَّةِ إلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَنَسَبَهُ الرَّازِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ إلَى مُجَاهِدٍ، قَالَا:"كَانَتْ التَّقِيَّةُ فِي جِدَّةِ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت