المشحونة كلها إلى جناب الله؛ ينتظرون أمره، ويعلقون تصرفهم بإذنه. . وإلى أن يحين هذا الأمر يدعوهم إلى العفو والسماحة، لينقذ قلوبهم من نتن الحقد والضغينة. ويدعها طيبة في انتظار الأمر من صاحب الأمر والمشيئة. . في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 76)
ـــــــــــــــ
قال تعالى: {مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (105) سورة البقرة
إِنَّ الذِينَ عَرَفْتُمْ حَالَهُمْ مَعَ أَنْبِيَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، هَمْ حَسَدَةٌ لَكُمْ لاَ يُرِيدُوُنَ أَنْ يصِيبَكُمْ خَيْرٌ مِنْ رَبِكُمْ، وَلاَ أَنْ يَتَرَسَّخْ دِينُكُمْ، وِلاَ أَنْ تَتَثَبَّتَ أَرْكَانُهُ، وَالمُشْرِكُونَ مِثْلُ أَهْلِ الكِتَابِ فِي كُرْهِهِمْ لَكُمْ، وَحَسَدِهِمْ إِيَّاكُمْ، وَتَمَنِّيِهِمْ أَنْ تَدُورَ عَلَى المُسْلِمِينَ الدًّوائِرُ، وَأَنْ يَنْتَهِي أَمْرُ الإِسْلاَمِ وَالمُسْلِمِينَ. وَحَسَدُ الحَاسِدِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَاخِطٌ عَلَى رَبِّهِ، مُعْتَرِضٌ عَلَى حُكْمِهِ وَحِكْمَتِهِ، لأَنَّهُ أَنْعَمَ عَلَى المَحْسُودِ بِمَا أَنْعََمَ، وَاللهُ لاَ يُضِيرُهُ سَخَطُ السَّاخِطِينَ، وَلاَ يُحوِّلُ مَجَارَي نِعْمَتِهِ حَسَدُ الحَاسِدِينَ، فَهُوَ يَخْتَصُّ مَنْ يَشَاءُ بِرَحْمَتِهِ وَهُوَ صَاحِبُ الفَضْلِ العَظِيمِ عَلَى مَنِ اخْتَارَهُ لِلنُّبُوَّةِ، وَهُوَ صَاحِبُ الإِحْسَانِ وَالمِنَّةِ عَلَى عِبَادِهِ. أيسر التفاسير لأسعد حومد - (ج 1 / ص 112)
وفي الظلال:
إنه سؤال التعجيب والتشهير من هذا الموقف المتناقض الغريب. موقف الذين أوتوا نصيبا من الكتاب. وهو التوراة لليهود ومعها الإنجيل للنصارى. وكل منهما (نصيب) من الكتاب باعتبار أن كتاب الله هو كل ما أنزل على رسله، وقرر فيه وحدة ألوهيته ووحدة قوامته. فهو كتاب واحد في حقيقته، أوتي اليهود نصيبا منه، وأوتي النصارى نصيبا منه، وأوتي المسلمون الكتاب كله باعتبار القرآن جامعا لأصول الدين كله، ومصدقا لما بين يديه من الكتاب. . سؤال التعجيب من هؤلاء (الذين أوتوا نصيبا من الكتاب) . . ثم هم يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم في خلافاتهم، وليحكم بينهم في شؤون حياتهم ومعاشهم، فلا يستجيبون جميعا لهذه الدعوة، إنما يتخلف فريق منهم ويعرض عن تحكيم كتاب الله وشريعته. الأمر الذي يتناقض مع الإيمان بأي نصيب من كتاب الله؛ والذي لا يستقيم مع دعوى أنهم أهل كتاب: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم، ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ?) . .
هكذا يعجب الله من أهل الكتاب حين يعرض بعضهم - لا كلهم - عن الاحتكام إلى كتاب الله في أمور الاعتقاد وأمور الحياة. فكيف بمن يقولون: إنهم مسلمون، ثم يخرجون شريعة الله من حياتهم كلها. ثم يظلون يزعمون أنهم مسلمون! إنه مثل يضربه الله للمسلمين أيضا كي يعلموا حقيقة الدين وطبيعة الإسلام؛ ويحذروا أن يكونوا موضعا لتعجيب الله وتشهيره بهم. فإذا كان هذا هو استنكار موقف أهل