فهرس الكتاب

الصفحة 367 من 1257

وَهَذِهِ الْجِنَايَاتُ قَدْ تَقَعُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ يَهْرُبُ الْمُرْتَدُّ إلَى بِلَادِ الْحَرْبِ، أَوْ لَا يَهْرُبُ، أَوْ تَقَعُ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ الْمُرْتَدُّ إلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ تَقَعُ مِنْهُ هَذِهِ كُلُّهَا فِي إسْلَامِهِ، أَوْ رِدَّتِهِ، وَقَدْ يَسْتَمِرُّ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ يَعُودُ مُسْلِمًا، وَقَدْ تَقَعُ مِنْهُ مُنْفَرِدًا، أَوْ فِي جَمَاعَةٍ، أَوْ أَهْلِ بَلَدٍ. وَمِثْلُ هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْمُرْتَدِّ.

جِنَايَةُ الْمُرْتَدِّ عَلَى النَّفْسِ:

23 -إذَا قَتَلَ مُرْتَدٌّ مُسْلِمًا عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، اتِّفَاقًا. أَمَّا إذَا قَتَلَ الْمُرْتَدُّ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَامَنًا عَمْدًا فَيُقْتَلُ بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ أَظْهَرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الذِّمِّيِّ، إذْ الْمُرْتَدُّ مُهْدَرُ الدَّمِ وَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ، وَلَا مُنَاكَحَتُهُ، وَلَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ. وَلَا يُقْتَلُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الْقَوْلُ الْآخَرُ لِلشَّافِعِيِّ لِبَقَاءِ عَلَقَةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى رِدَّتِهِ. وَإِذَا قَتَلَ الْمُرْتَدُّ حُرًّا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا خَطَأً وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ، وَلَا تَكُونُ عَلَى عَاقِلَتِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَالدِّيَةُ يُشْتَرَطُ لَهَا عِصْمَةُ الدَّمِ لَا الْإِسْلَامُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَلَّ دَمُهُ وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: بِأَنَّ الضَّمَانَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ يَاخُذُ أَرْشَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ مِمَّنْ جَنَى فَكَمَا يَاخُذُ مَالَهُ يَغْرَمُ عَنْهُ. وَهَذَا إنْ لَمْ يَتُبْ. فَإِنْ تَابَ فَقِيلَ: فِي مَالِهِ، وَقِيلَ: عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَقِيلَ: عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقِيلَ: عَلَى مَنْ ارْتَدَّ إلَيْهِمْ.

جِنَايَةُ الْمُرْتَدِّ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ:

24 -قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لَا فَرْقَ فِي جِنَايَةِ الْمُرْتَدِّ بَيْنَ مَا إذَا كَانَتْ عَلَى النَّفْسِ أَوْ عَلَى مَا دُونَهَا، وَلَا يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ بِالذِّمِّيِّ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ لِزِيَادَتِهِ عَلَى الذِّمِّيِّ بِالْإِسْلَامِ الْحُكْمِيِّ. وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ بِالْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ. وَإِنْ قَطَعَ طَرَفًا مِنْ أَحَدِهِمَا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِيهِ أَيْضًا. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ بِالذِّمِّيِّ وَلَا يُقْطَعُ طَرَفُهُ بِطَرَفِهِ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِ بَاقِيَةٌ بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْعِبَادَاتِ عَلَيْهِ وَمُطَالَبَتِهِ بِالْإِسْلَامِ. قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَلَنَا: أَنَّهُ كَافِرٌ فَيُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ كَالْأَصْلِيِّ. وَفِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ: الْأَظْهَرُ قَتْلُ الْمُرْتَدِّ بِالذِّمِّيِّ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْكُفْرِ. بَلْ الْمُرْتَدُّ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الذِّمِّيِّ لِأَنَّهُ مُهْدَرُ الدَّمِ فَأَوْلَى أَنْ يُقْتَلَ بِالذِّمِّيِّ.

زِنَى الْمُرْتَدِّ:

25 -إذَا زَنَى مُرْتَدٌّ أَوْ مُرْتَدَّةٌ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا جُلِدَ. وَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا فَفِي زَوَالِ الْإِحْصَانِ بِرِدَّتِهِ خِلَافٌ. أَسَاسُهُ الْخِلَافُ فِي شُرُوطِ الْإِحْصَانِ، هَلْ مِنْ بَيْنِهَا الْإِسْلَامُ أَمْ لَا؟ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: مَنْ ارْتَدَّ بَطَلَ إحْصَانُهُ، إلَّا أَنْ يَتُوبَ أَوْ يَتَزَوَّجَ ثَانِيَةً. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ: إنَّ الرِّدَّةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْإِحْصَانِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ مِنْ شُرُوطِ الْإِحْصَانِ.

قَذْفُ الْمُرْتَدِّ غَيْرَهُ:

26 -إذَا قَذَفَ الْمُرْتَدُّ غَيْرَهُ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِشُرُوطِهِ، إلَّا أَنْ يَحْصُلَ مِنْهُ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، حَيْثُ لَا سُلْطَةَ لِلْمُسْلِمِينَ. وَالْقَضِيَّةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى شَرَائِطِ الْقَذْفِ، وَلَيْسَ مِنْ بَيْنِهَا إسْلَامُ الْقَاذِفِ.

(إتْلَافُ الْمُرْتَدِّ الْمَالَ) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت