وقدم التزكّي على ذكر الله والصلاةِ لأنه أصل العمل بذلك كله فإنه إذا تطهرت النفس أشرقت فيها أنوار الهداية فعُلمت منافعها وأكثرت من الإِقبال عليها فالتزكية: الارتياض على قبول الخير والمراد تزكّى بالإِيمان.
وفعل {ذكر اسم ربه} يجوز أن يكون من الذّكر اللساني الذي هو بكسر الذال فيكون كلمة {اسم ربه} مرادًا بها ذكر أسماء الله بالتعظم مثل قول لا إله إلا الله، وقول الله أكبر، وسبحان الله، ونحو ذلك على ما تقدم في قوله: {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] .
ويجوز أن يكون من الذُّكر بضم الذال وهو حضور الشيء في النفس الذاكرة والمفكرة فتكون كلمة {اسم} مقحمة لتدل على شأن الله وصفات عظمته فإن أسماء الله أوصاف كمال. التحرير والتنوير - (ج 16 / ص 300)
ويختم السورة بصورة الفريق الآخر. الذين جاهدوا في الله ليصلوا إليه؛ ويتصلوا به. الذين احتملوا في الطريق إليه ما احتملوا فلم ينكصوا ولم ييأسوا. الذين صبروا على فتنة النفس وعلى فتنة الناس. الذين حملوا أعباءهم وساروا في ذلك الطريق الطويل الشاق الغريب. . أولئك لن يتركهم الله وحدهم ولن يضيع إيمانهم، ولن ينسى جهادهم. إنه سينظر إليهم من عليائه فيرضاهم. وسينظر إلى جهادهم إليه فيهديهم. وسينظر إلى محاولتهم الوصول فيأخذ بأيديهم. وسينظر إلى صبرهم وإحسانهم فيجازيهم خير الجزاء: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا. وإن الله لمع المحسنين) . .
وفي الصفحة المقابلة نجد النجاة والفلاح مع التطهر والتذكر: (قد أفلح من تزكى. وذكر اسم ربه فصلى) . . والتزكي: التطهر من كل رجس ودنس، والله - سبحانه - يقرر أن هذا الذي تطهر وذكر اسم ربه، فاستحضر في قلبه جلاله: (فصلى) . . إما بمعنى خشع وقنت. وإما بمعنى الصلاة الاصطلاحي، فكلاهما يمكن أن ينشأ من التذكر واستحضار جلال الله في القلب، والشعور بمهابته في الضمير. . هذا الذي تطهر وذكر وصلى (قد أفلح) يقينا. أفلح في دنياه، فعاش موصولا، حي القلب، شاعرا بحلاوة الذكر وإيناسه. وأفلح في أخراه، فنجا من النار الكبرى، وفاز بالنعيم والرضى. . فأين عاقبة من عاقبة ? وأين مصير من مصير ? في ظلال القرآن - (ج 8 / ص 24)
وفي قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام:
فِي بَيَانِ تَقْسِيمِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ أَقْسَامٌ: أَحَدُهَا: مَا تَعْرِفُهُ الْأَذْكِيَاءُ وَالْأَغْبِيَاءُ الثَّانِي مَا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ الْأَذْكِيَاءُ، الثَّالِثُ مَا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ الْأَوْلِيَاءُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ضَمِنَ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ أَنْ يَهْدِيَهُ إلَى سَبِيلِهِ فَقَالَ: {وَاَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} ، وَلِأَنَّ الْأَوْلِيَاءَ يَهْتَمُّونَ بِمَعْرِفَةِ أَحْكَامِهِ وَشَرْعِهِ فَيَكُونُ بَحْثُهُمْ عَنْهُ أَتَمَّ وَاجْتِهَادُهُمْ فِيهِ أَكْمَلَ، مَعَ أَنَّ مَنْ عَمِلَ بِمَا يَعْلَمُ وَرَّثَهُ اللَّهُ