ذلك أى شاغل، لأنهم يرجون منه - سبحانه - أن يجزيهم أحسن الجزاء على أعمالهم، وأن يزيدهم من فضله وإحسانه، بما يليق بكرمه وامتنانه."والله"- تعالى -"يرزق من يشاء"أن يرزقه"بغير حساب"أى: بدون حدود، ولا قيود، وبدون حصر لما يعطيه، لأن خزائنه لا تنقص ولا تنفد، حتى يحتاج إلى عد وحساب لما يخرج منها. فالجملة الكريمة تذييل قصد به التقرير للزيادة التى يتطلع إليها هؤلاء الرجال الصالحون، ووعد منه - عز وجل - بأنه سيرزقهم رزقا يزيد عما يتوقعونه.
وبذلك نرى الآيات قد طوفت بنا مع نور الله - عز وجل - ومثلت له بما من شأنه أن يجعل النفوس يشتد استمساكها بالحق الذى جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عند ربه، ومدحت مدحا عظيما أولئك الرجال الأخيار، الذين يكثرون من طاعة الله - تعالى - في بيوته التى أمر برفعها، دون أن يشغلهم عن ذلك شاغل، وبشرتهم بالعطاء الواسع الذى سيعطيهم الله إياه بفضله وكرمه.
ــــــــــــــــــــ
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) } سورة فاطر
إِنَ عِبَادَ اللهِ المُؤْمِنينَ الذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَعْمَلُونَ بِمَا فِيهِ مِنْ أَوَامِرَ: مِنْ إِقامَةِ الصَّلاةِ وأَدائها بِخُشُوعِها، وَإِتْمَامِها بِرُكُوعِها وسُجُودِها، وَمِنَ الإِنْفَاقِ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ سِرًا وَعَلاَنِيةً فِي سَبيلِ اللهِ عَلَى الفُقَراءِ والمُحْتَاجِينَ، وفيمَا فِيهِ خيرُ الجَمَاعَةِ المُسلِمَةِ، إِنَّ هؤلاءِ العِبَادَ المُؤْمِنينَ، الذِينَ يَقُومُونَ بِذَلِكَ، يَرْجُونَ الثَّوَابَ عَلَى أَفْعَالِهِمْ، عِنْدَ اللهِ، وَسَتَكُونُ تِجَارَتُهُمْ رَابِحَةً عِندَ اللهِ، وَلَنْ تَكْسُدَ.
وَيَرْجُونَ أَنْ يَحْزِيَهُمُ اللهُ الجَزَاءَ الأَوْفَى عَلَى أَعْمَالِهِم الصَّالِحَةِ، وَأَنْ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، فَيَتجَاوَزَ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ وَهَفَواتِهِمْ، وَيَضَاعِفَ ثَوَابَ أَعْمَالِهِمْ حَتَّى سَبعِمِئَةِ ضِعْفٍ، وَاللهُ تَعَالى غَفُورٌ لِلذُّنُوبِ، شَكُورٌ لِلْقَلِيلِ مِنَ الأَعمالِ الصَّالِحةِ.
وتلاوة كتاب الله تعني شيئًا آخر غير المرور بكلماته بصوت أو بغير صوت. تعني تلاوته عن تدبر، ينتهي إلى إدراك وتأثر، وإلى عمل بعد ذلك وسلوك. ومن ثم يتبعها بإقامة الصلاة، وبالإنفاق سرًا وعلانية من رزق الله. ثم رجاؤهم بكل هذا {تجارة لن تبور} . . فهم يعرفون أن ما عند الله خير مما ينفقون. ويتاجرون تجارة كاسبة مضمونة الربح. يعاملون فيها الله وحده وهي أربح معاملة؛ ويتاجرون بها في الآخرة وهي أربح تجارة. . تجارة مؤدية إلى توفيتهم أجورهم، وزيادتهم من فضل الله. {إنه غفور شكور} . . يغفر التقصير ويشكر الأداء. وشكره تعالى كناية عما يصاحب الشكر عادة من الرضا وحسن الجزاء. ولكن التعبير يوحي للبشر بشكر المنعم. تشبهًا واستحياء. فإذا كان هو يشكر لعباده حسن الأداء أفلا يشكرون له هم حسن العطاء؟!