وَهَؤُلاءِ الرِّجَالُ، الذينَ يَعْمُرُونَ بُيُوتَ اللهِ، هُمُ رِجَالٌ أَصْحَابُ هِمَمٍ وَعَزَائِمَ لاَ يُلْهِيهِمْ شَيءٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، وإِقَامِ الصَّلاَةِ: لاَ تِجَارَةٌ، وَلاَ بَيْعٌ، وَلاَ تَشْغَلُهُم الدُّنْيا وَزُخْرُفُهَا، وَزِينَتُها، وَمَلاذُّهَا، وَلاَ بَيْعُها، ولاَ رِبْحُها. . عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ لأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الذي عَنْدَ اللهِ خَيْرٌ لَهُمْ وأَنْفَعُ مِمَا بِأَيْدِيهِمْ، وَهُمْ يُقَدِّمُونَ طَاعَةَ رَبِّهِمْ وَمَحَبَّتَه عَلَى مُرَادِهِم وَمَحَبَّتِهِمْ، فَلاَ شَيءَ يُلْهِيهِم عَنْ أَنْ يُؤدُّوا الصَّلاَةَ فِي وَقْتِهَا، لأَنَّهُمْ يَخَافُونَ يَومَ القِيَامَةِ الذي تتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأَبْصَارُ مِنْ شِدَّةِ الفَزَعِ، وَعِظَمِ الهَوْلِ.
وَهَؤُلاَءِ هُمُ الذينُ يَتَقَبَّلُ اللهُ تَعَالَى حَسَنَاتِهِمْ، وَيَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ، فَيُضَاعِفُ لَهُمُ الحَسَنَاتِ (وَيَزِيدُهُم مِنْ فَضْلِهِ) ، وَهُوَ تَعَالَى يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَبِدُونَ تَحْدِيدٍ فَهُوَ الكَرِيمُ الجَوَادُ.
بين - سبحانه - بعد ذلك أكثر الأماكن والأشخاص انتفاعا بنوره، فقال - تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله} .وقوله {فِي بُيُوتٍ} متعلق بقوله: {يُسَبِّحُ} . والمراد بهذه البيوت: المساجد كلها، وعلى رأسها المسجد الحرام، والمسجد النبوى، والمسجد الأقصى. و"أذن"بمعنى أمر وقضى، وفاعل"يسبح"قوله"رجال".والغدو والغداة: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والآصال جمع أصيل، وهو ما بين العصر وغروب الشمس.
أى: هذا هو نور الله - الذى يهدى إليه من يشاء من عباده، وعلى رأس أولئك العباد الذين هداهم الله - سبحانه - إلى ما يحبه ويرضاه، هؤلاء الرجال الذين يعبدونه ويقدسونه في تلك المساجد التى أمر - سبحانه - بتشييدها وتعظيم قدرها، وصيانتها من كل سوء أو نجس، إنهم يسبحونه وينزهونه عن كل نقص، ويتقربون إليه بالصلوات وبالطاعات. في تلك المساجد في أول النهار وفى آخرة، وفى غير ذلك من الأوقات. وخص - سبحانه - أوقات الغدو والآصال بالذكر، لشرفها وكونها أشهر ما تقع فيه العبادات. وقوله - تعالى: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله} مدح وتكريم لهؤلاء الرجال.
أى: يسبح الله - تعالى - في تلك المساجد بالغدو والآصال، رجال من شأنهم ومن صفاتهم، أنهم لا يشغلهم،"تجارة"مهما عظمت،"ولا بيع"، مهما اشتدت حاجتهم إليه"عن ذكر الله"أى: عن تسبيحه وتحميده وتكبيره وتمجيده وطاعته.
ولا تشغلهم - أيضا - هذه التجارات والبيوع عن"إقام الصلاة"فى مواقيتها بخشوع وإخلاص، وعن"إيتاء الزكاة"للمستحقين لها.
وذلك لأنهم"يخافون يوما"هائلا شديدا هو يوم القيامة الذى"تتقلب فيه القلوب والأبصار"أى تضطرب فيه القلوب والأبصار فلا تثبت من شدة الهول والفزع.
ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملتهم على الإكثار من هذه الطاعات فقال {لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ} .أى: إنهم يكثرون من تسبيح الله بالغدو والآصال، دون أن يشغلهم عن