فهرس الكتاب

الصفحة 285 من 1257

ودل هذا على بيان القسط، وأن مادته هو ما شرعه الله من الأحكام، فإنها المشتملة على غاية العدل والقسط، وما خالف ذلك فهو جور وظلم.

{وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} كرر النهي عن اتباع أهوائهم لشدة التحذير منها. ولأن ذلك في مقام الحكم والفتوى، وهو أوسع، وهذا في مقام الحكم وحده، وكلاهما يلزم فيه أن لا يتبع أهواءهم المخالفة للحق، ولهذا قال: {وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} أي: إياك والاغترار بهم، وأن يفتنوك فيصدوك عن بعض ما أنزل [الله] إليك، فصار اتباع أهوائهم سببا موصلا إلى ترك الحق الواجب، والفرض اتباعه.

{فَإِن تَوَلَّوْا} عن اتباعك واتباع الحق {فَاعْلَمْ} أن ذلك عقوبة عليهم وأن الله يريد {أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} [ص 235] فإن للذنوب عقوبات عاجلة وآجلة، ومن أعظم العقوبات أن يبتلى العبد ويزين له ترك اتباع الرسول، وذلك لفسقه.

{وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} أي: طبيعتهم الفسق والخروج عن طاعة الله واتباع رسوله.

{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} أي: أفيطلبون بتوليهم وإعراضهم عنك حكم الجاهلية، وهو كل حكم خالف ما أنزل الله على رسوله. فلا ثم إلا حكم الله ورسوله أو حكم الجاهلية. فمن أعرض عن الأول ابتلي بالثاني المبني على الجهل والظلم والغي، ولهذا أضافه الله للجاهلية، وأما حكم الله تعالى فمبني على العلم، والعدل والقسط، والنور والهدى.

{وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} فالموقن هو الذي يعرف الفرق بين الحكمين ويميز -بإيقانه- ما في حكم الله من الحسن والبهاء، وأنه يتعين -عقلا وشرعا- اتباعه. واليقين، هو العلم التام الموجب للعمل. تفسير السعدي - (ج 1 / ص 234)

وقال القرطبي:

قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب} الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم. و «الْكِتَاب» القرآن {بالحق} أي هو بالأمر الحق {مُصَدِّقًا} حال {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب} أي من جنس الكتب. {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} أي عاليًا عليها ومرتفعًا. وهذا يدل على تأويل من يقول بالتفضيل أي في كثرة الثواب، على ما تقدّمت إليه الإشارة في «الفاتحة» وهو اختيار ابن الحصّار في كتاب شرح السنة له. وقد ذكرنا ما ذكره في كتابنا في شرح الأسماء الحسنى والحمد لله. وقال قَتَادة: المهيمِن معناه الشاهد. وقيل: الحافظ. وقال الحسن: المصدّق؛ ومنه قول الشاعر:

إن الكتاب مُهيمِن لنبيّنا ... والحق يعرفه ذوو الألباب

وقال ابن عباس: «وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ» أي مؤتمنًا عليه. قال سعيد بن جُبَير: القرآن مؤتمَن على ما قبله من الكتب. وعن ابن عباس والحسن أيضًا: المهيمن الأمين. قال المبرّد: أصله مُؤَيْمن أبدل من الهمزة هاء؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت