إنه مشهد مجسم ذو مناظر وحركات متواليات. . منظرهم ومعهم ما في الأرض ومثله معه. . ومنظرهم وهم يعرضونه ليفتدوا به. ومنظرهم وهم مخيبو الطلب غير مقبولي الرجاء. . ومنظرهم وهم يدخلون النار. . ومنظرهم وهم يحاولون الخروج منها. . ومنظرهم وهم يرغمون على البقاء. ويسدل الستار، ويتركهم مقيمين هناك! في ظلال القرآن - (ج 2 / ص 358)
ـــــــــــــــ
الذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، هُمْ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ دَرَجَةً وَمَقَامًا، وَأَكْثَرُ مَثُوبَةً مِنَ الذِينَ عَمَّرُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ، وَسَقَوْا الحَاجَّ فِي الجَّاهِلِيةِ. وَهَؤُلاَءِ المُؤْمِنُونَ المُجَاهِدُونَ فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُمُ الفَائِزُونَ بِرَحْمَةِ اللهِ، وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّاتِهِ.
وفي الظلال:
أولئك هم المؤمنون حقًا. . فهذه هي الصورة الحقيقية التي يتمثل فيها الإيمان. . هذه هي صورة النشأة الحقيقية والوجود الحقيقي لهذا الدين. . إنه لا يوجد حقيقة بمجرد إعلان القاعدة النظرية؛ ولا بمجرد اعتناقها؛ ولا حتى بمجرد القيام بالشعائر التعبدية فيها. . إن هذا الدين منهج حياة لا يتمثل في وجود فعلي، إلا إذا تمثل في تجمع حركي. . أما وجوده في صورة عقيدة فهو وجود حكمي، لا يصبح [حقًا] إلا حين يتمثل في تلك الصورة الحركية الواقعية. .
وهؤلاء المؤمنون حقًا، لهم مغفرة ورزق كريم. . والرزق يذكر هنا بمناسبة الجهاد والإنفاق والإيواء والنصرة وتكاليف هذا كله. . وفوقه المغفرة وهي من الرزق الكريم. بل هي أكرم الرزق الكريم.
ثم يلحق بالطبقة الأولى من المهاجرين المجاهدين، كل من يهاجر بعد ذلك ويجاهد - وإن كانت للسابقين درجتهم كما تقرر النصوص القرآنية الأخرى - إنما هذا إلحاق في الولاء والعضوية في المجتمع الإسلامي: (والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم) . .
ولقد ظل شرط الهجرة قائمًا حتى فتح مكة؛ حين دانت أرض العرب للإسلام ولقيادته، وانتظم الناس في مجتمعه. فلا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد وعمل. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غير أن ذلك إنما كان في جولة الإسلام الأولى التي حكم فيها الأرض ألفا ومائتي عام تقريبًا؛ لم ينقطع فيها حكم شريعة الإسلام، وقيام القيادة المسلمة على شريعة الله وسلطانه. . فأما اليوم وقد عادت الأرض إلى الجاهلية؛ وارتفع حكم الله - سبحانه - عن حياة الناس في الأرض، وعادت الحاكمية إلى الطاغوت في الأرض كلها، ودخل الناس في عبادة العباد بعد إذ أخرجهم الإسلام منها. . الآن تبدأ جولة جديدة أخرى للإسلام - كالجولة الأولى - تأخذ - في التنظيم - كل أحكامها المرحلية، حتى تنتهي إلى إقامة دار إسلام وهجرة؛