أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّجَاشِيَّ كَانَ مُسْلِمًا يَوْمَئِذٍ، كَمَا رُوِيَ، فَلِهَذَا اسْتَحَلَّ الزُّبَيْرُ الْقِتَالَ مَعَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ مَلْجَأٌ غَيْرُهُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله تعالى عنها، قَالَتْ: لَمَّا اطْمَانَنَّا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ فَكُنَّا فِي خَيْرِ دَارٍ، عِنْدَ خَيْرِ جَارٍ، نَعْبُدُ رَبَّنَا إلَى أَنْ سَارَ إلَى النَّجَاشِيِّ عَدُوٌّ لَهُ، فَمَا نَزَلَ بِنَا قَطُّ أَمْرٌ عَظِيمٌ مِنْهُ، قُلْنَا: إنْ ظَهَرَ عَلَى النَّجَاشِيِّ لَمْ يَعْرِفْ مِنْ حَقِّنَا مَا كَانَ النَّجَاشِيُّ يَعْرِفُ، فَأَخْلَصْنَا الدُّعَاءَ إلَى أَنْ يُمَكِّنَ اللَّهُ النَّجَاشِيَّ، ثُمَّ قُلْنَا: مَنْ رَجُلٌ يَعْلَمُ لَنَا عِلْمَ الْقَوْمِ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ: أَنَا فَنَفَخَ قِرْبَةً ثُمَّ رَكِبَهَا حَتَّى عَبَرَ النَّهْرَ، وَالْتَقَى الْقَوْمَ، وَحَضَرَ الزُّبَيْرُ مَعَهُمْ، وَجَعَلْنَا نُخْلِصُ الدُّعَاءَ إلَى أَنْ طَلَعَ الزُّبَيْرُ فِي النِّيلِ يُلِيحُ بِثَوْبِهِ، أَلَا أَبْشِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَظْهَرَ النَّجَاشِيَّ، وَمَكَّنَ لَهُ فِي الْأَرْضِ، وَأَهْلَك عَدُوَّهُ، قَالَتْ: فَأَقَمْنَا عِنْدَ خَيْرِ جَارٍ. فَبِهَذَا الْحَدِيثِ تَبَيَّنَ صِحَّةُ التَّاوِيلِ الَّذِي قُلْنَا.) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. شرح السير الكبير - (ج 4 / ص 113)
وقال ابن العربي: الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قوله تعالى: {لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} 0
هَذَا عُمُومٌ فِي أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَتَّخِذُ الْكَافِرَ وَلِيًّا فِي نَصْرِهِ عَلَى عَدُوِّهِ وَلَا فِي أَمَانَةٍ وَلَا بِطَانَةٍ. مِنْ دُونِكُمْ: يَعْنِي مِنْ غَيْرِكُمْ وَسِوَاكُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا} وَقَدْ نَهَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ عَنْ ذِمِّيٍّ كَانَ اسْتَكْتَبَهُ بِالْيَمَنِ وَأَمَرَهُ بِعَزْلِهِ، وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: يُقَاتِلُ الْمُشْرِكُ فِي مُعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُمْ لِعَدُوِّهِمْ، وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ عُلَمَاؤُنَا الْمَالِكِيَّةُ. وَالصَّحِيحُ مَنْعُهُ لِقَوْلِهِ عليه السلام: {إنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ} . وَأَقُولُ: إنْ كَانَتْ فِي ذَلِكَ فَائِدَةٌ مُحَقَّقَةٌ فَلَا بَاسَ بِهِ. أحكام القرآن لابن العربي - (ج 2 / ص 55)
ـــــــــــــــ