فهرس الكتاب

الصفحة 370 من 1257

فِي إسْلَامِ الْمُرْتَدِّ مِنْ الشَّهَادَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ كُفْرُهُ لِإِنْكَارِ شَيْءٍ آخَرَ، كَمَنْ خَصَّصَ رِسَالَةَ مُحَمَّدٍ بِالْعَرَبِ أَوْ جَحَدَ فَرْضًا أَوْ تَحْرِيمًا فَيَلْزَمُهُ مَعَ الشَّهَادَتَيْنِ الْإِقْرَارُ بِمَا أَنْكَرَ. قَالَ الْحَنَابِلَةُ: وَلَوْ صَلَّى الْمُرْتَدُّ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ رِدَّتُهُ بِجَحْدِ فَرِيضَةٍ، أَوْ كِتَابٍ، أَوْ نَبِيٍّ، أَوْ مَلَكٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ الْمُكَفِّرَةِ الَّتِي يَنْتَسِبُ أَهْلُهَا إلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِمُجَرَّدِ صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَيَفْعَلُهَا مَعَ كُفْرِهِ. وَأَمَّا لَوْ زَكَّى أَوْ صَامَ فَلَا يَكْفِي ذَلِكَ لِلْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ، لِأَنَّ الْكُفَّارَ يَتَصَدَّقُونَ، وَالصَّوْمُ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُعْلَمُ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَبُولِ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ، وَتَوْبَةِ مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ، وَتَوْبَةُ السَّاحِرِ عَلَى أَقْوَالٍ يُنْظَرُ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ: (تَوْبَةٌ) .

تَوْبَةُ سَابِّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم:

37 -قَالَ الْحَنَفِيَّةُ بِقَبُولِ تَوْبَةِ سَابِّ اللَّهِ تَعَالَى. وَكَذَا الْحَنَابِلَةُ، مَعَ ضَرُورَةِ تَادِيبِ السَّابِّ وَعَدَمِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنْهُ ثَلَاثًا. وَفِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ خِلَافٌ، الرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ قَبُولُ تَوْبَتِهِ، وَهُوَ رَايُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ. أَمَّا سَابُّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إلَى قَبُولِ تَوْبَتِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: تُقْبَلُ تَوْبَةُ قَاذِفِهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ: يُقْتَلُ حَدًّا وَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: يُجْلَدُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ ارْتَفَعَتْ بِإِسْلَامِهِ وَبَقِيَ جَلْدُهُ. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: مَنْ شَتَمَ نَبِيًّا مُجْمَعًا عَلَى نُبُوَّتِهِ بِقُرْآنٍ أَوْ نَحْوِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ؛ لِأَنَّ كُفْرَهُ يُشْبِهُ كُفْرَ الزِّنْدِيقِ، وَيُقْتَلُ حَدًّا لَا كُفْرًا إنْ قُتِلَ بَعْدَ تَوْبَتِهِ لِأَنَّ قَتْلَهُ حِينَئِذٍ لِأَجْلِ ازْدِرَائِهِ لَا لِأَجْلِ كُفْرِهِ.

تَوْبَةُ مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ:

38 -مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ وَتَوْبَتُهُ قَالَ الْأَحْنَافُ وَالشَّافِعِيَّةُ: تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ. لقوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرُ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} وَقَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ} . وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: تَوْبَةُ مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ لَا تُقْبَلُ. وَحُجَّتُهُمْ قوله تعالى: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} وَلِأَنَّ تَكْرَارَ الرِّدَّةِ، دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ الْعَقِيدَةِ، وَقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ.

تَوْبَةُ السَّاحِرِ:

39 -قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: بِعَدَمِ قَبُولِ تَوْبَةِ السَّاحِرِ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ (وَانْظُرْ مُصْطَلَحَيْ: تَوْبَةٌ، وَسِحْرٌ) .

قَتْلُ الْمُرْتَدِّ:

40 -إذَا ارْتَدَّ مُسْلِمٌ، وَكَانَ مُسْتَوْفِيًا لِشَرَائِطِ الرِّدَّةِ، أُهْدِرَ دَمُهُ، وَقَتْلُهُ لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ. فَلَوْ قُتِلَ قَبْلَ الِاسْتِتَابَةِ فَقَاتِلُهُ مُسِيءٌ، وَلَا يَجِبُ بِقَتْلِهِ شَيْءٌ غَيْرَ التَّعْزِيرُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولًا لِلْكُفَّارِ فَلَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّ {النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَقْتُلْ رُسُلَ مُسَيْلِمَةَ} . فَإِذَا قُتِلَ الْمُرْتَدُّ عَلَى رِدَّتِهِ، فَلَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت