فهرس الكتاب

الصفحة 372 من 1257

أَمْوَالُ الْمُرْتَدِّ وَتَصَرُّفَاتُهُ:

43 -ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْأَظْهَرِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ مِلْكَ الْمُرْتَدِّ لَا يَزُولُ عَنْ مَالِهِ بِمُجَرَّدِ رِدَّتِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى مَالِهِ فَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ زَالَ مِلْكُهُ وَصَارَ فَيْئًا، وَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ عَادَ إلَيْهِ مَالُهُ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْعِصْمَةِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ زَوَالُ الْمِلْكِ؛ وَلِاحْتِمَالِ الْعَوْدِ إلَى الْإِسْلَامِ. وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ يُحْجَرُ عَلَيْهِ وَيُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ، وَلَوْ تَصَرَّفَ تَكُونُ تَصَرُّفَاتُهُ مَوْقُوفَةً فَإِنْ أَسْلَمَ جَازَ تَصَرُّفُهُ، وَإِنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ بَطَلَ تَصَرُّفُهُ وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي حَنِيفَةَ. وَفَصَّلَ الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: إنْ تَصَرَّفَ تَصَرُّفًا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ كَالْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْوَصِيَّةِ كَانَ تَصَرُّفُهُ مَوْقُوفًا إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ حَالُهُ، أَمَّا التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي تَكُونُ مُنَجَّزَةً وَلَا تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالرَّهْنِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ بِنَاءً عَلَى بُطْلَانِ وَقْفِ الْعُقُودِ، وَهَذَا فِي الْجَدِيدِ، وَفِي الْقَدِيمِ تَكُونُ مَوْقُوفَةً أَيْضًا كَغَيْرِهَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لَا يَزُولُ مِلْكُهُ بِرِدَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ كَانَ ثَابِتًا لَهُ حَالَةَ الْإِسْلَامِ لِوُجُودِ سَبَبِ الْمِلْكِ وَأَهْلِيَّتِهِ وَهِيَ الْحُرِّيَّةُ، وَالْكُفْرُ لَا يُنَافِي الْمِلْكَ كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ، وَبِنَاءً عَلَى هَذَا تَكُونُ تَصَرُّفَاتُهُ جَائِزَةً كَمَا تَجُوزُ مِنْ الْمُسْلِمِ حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ، أَوْ دَبَّرَ، أَوْ كَاتَبَ، أَوْ بَاعَ، أَوْ اشْتَرَى، أَوْ وَهَبَ نَفَذَ ذَلِكَ كُلُّهُ، إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ: يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ تَصَرُّفَ الصَّحِيحِ، أَمَّا مُحَمَّدٌ فَقَالَ: يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ تَصَرُّفَ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ مُشْرِفٌ عَلَى التَّلَفِ؛ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ فَأَشْبَهَ الْمَرِيضَ مَرَضَ الْمَوْتِ. وَقَدْ أَجْمَعَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ اسْتِيلَادَ الْمُرْتَدِّ وَطَلَاقَهُ وَتَسْلِيمَهُ الشُّفْعَةَ صَحِيحٌ وَنَافِذٌ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - وَصَحَّحَهُ أَبُو إسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ مِلْكَهُ يَزُولُ بِرِدَّتِهِ لِزَوَالِ الْعِصْمَةِ بِرِدَّتِهِ فَمَا لَهُ أَوْلَى، وَلِمَا رَوَى طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ لِوَفْدِ بِزَاخَّةِ وَغَطَفَانَ: نَغْنَمُ مَا أَصَبْنَا مِنْكُمْ وَتَرُدُّونَ إلَيْنَا مَا أَصَبْتُمْ مِنَّا؛ وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ مَلَكُوا دَمَهُ بِالرِّدَّةِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكُوا مَالَهُ. وَعَلَى هَذَا فَلَا تَصَرُّفَ لَهُ أَصْلًا لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ. وَمَا سَبَقَ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُرْتَدِّ الذَّكَرِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُرْتَدَّةِ الْأُنْثَى عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَا يَزُولُ مِلْكُ الْمُرْتَدَّةِ الْأُنْثَى عَنْ أَمْوَالِهَا بِلَا خِلَافٍ عِنْدَهُمْ فَتَجُوزُ تَصَرُّفَاتُهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ فَلَمْ تَكُنْ رِدَّتُهَا سَبَبًا لِزَوَالِ مِلْكِهَا عَنْ أَمْوَالِهَا.

أَثَرُ الرِّدَّةِ عَلَى الزَّوَاجِ:

44 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ حِيلَ بَيْنَهُمَا فَلَا يَقْرَبُهَا بِخَلْوَةٍ وَلَا جِمَاعٍ وَلَا نَحْوِهِمَا. ثُمَّ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ بَانَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كِتَابِيَّةً، دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ تُنَافِي النِّكَاحَ وَيَكُونُ ذَلِكَ فَسْخًا عَاجِلًا لَا طَلَاقًا وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَضَاءٍ. ثُمَّ إنْ كَانَتْ الرِّدَّةُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَكَانَ الْمُرْتَدُّ هُوَ الزَّوْجَ فَلَهَا نِصْفُ الْمُسَمَّى أَوْ الْمُتْعَةُ، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُرْتَدَّةَ فَلَا شَيْءَ لَهَا. وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ فَلَهَا الْمَهْرُ كُلُّهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُرْتَدُّ الزَّوْجَ أَوْ الزَّوْجَةَ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ: إذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ كَانَ ذَلِكَ طَلْقَةً بَائِنَةً، فَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ لَمْ تَرْجِعْ لَهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت