إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ، مَا لَمْ تَقْصِدْ الْمَرْأَةُ بِرِدَّتِهَا فَسْخَ النِّكَاحِ، فَلَا يَنْفَسِخُ؛ مُعَامَلَةً لَهَا بِنَقِيضِ قَصْدِهَا. وَقِيلَ: إنَّ الرِّدَّةَ فَسْخٌ بِغَيْرِ طَلَاقٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ فَلَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا حَتَّى تَمْضِيَ عِدَّةُ الزَّوْجَةِ قَبْلَ أَنْ يَتُوبَ وَيَرْجِعَ إلَى الْإِسْلَامِ، فَإِذَا انْقَضَتْ بَانَتْ مِنْهُ، وَبَيْنُونَتُهَا مِنْهُ فَسْخٌ لَا طَلَاقٌ، وَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ. وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ فَوْرًا وَتَنَصَّفَ مَهْرُهَا إنْ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمُرْتَدَّ، وَسَقَطَ مَهْرُهَا إنْ كَانَتْ هِيَ الْمُرْتَدَّةَ. وَلَوْ كَانَتْ الرِّدَّةُ بَعْدَ الدُّخُولِ فَفِي رِوَايَةٍ تُنَجَّزُ الْفُرْقَةُ. وَفِي أُخْرَى تَتَوَقَّفُ الْفُرْقَةُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
45 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا ارْتَدَّ ثُمَّ تَزَوَّجَ فَلَا يَصِحُّ زَوَاجُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلَّةَ لَهُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مُسْلِمَةً، وَلَا كَافِرَةً، وَلَا مُرْتَدَّةً.
مَصِيرُ أَوْلَادِ الْمُرْتَدِّ:
46 -مَنْ حُمِلَ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ فَهُوَ مُسْلِمٌ، وَكَذَا مَنْ حُمِلَ بِهِ فِي حَالِ رِدَّةِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ وَالْآخَرُ مُسْلِمٌ، قَالَ بِذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ؛ لِأَنَّ بِدَايَةَ الْحَمْلِ كَانَ لِمُسْلِمَيْنِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ وُلِدَ خِلَالَ الرِّدَّةِ. لَكِنْ مَنْ كَانَ حَمْلُهُ خِلَالَ رِدَّةِ أَبَوَيْهِ كِلَيْهِمَا، فَفِيهِ خِلَافٌ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالْأَظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، إلَى أَنَّهُ يَكُونُ مُرْتَدًّا تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ فَيُسْتَتَابُ إذَا بَلَغَ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْحَنَابِلَةِ وَقَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُقَرُّ عَلَى دِينِهِ بِالْجِزْيَةِ كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ، وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مَا لَوْ كَانَ فِي أُصُولِ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُسْلِمًا تَبَعًا لَهُ، وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا مَا لَوْ أَدْرَكَ وَلَدُ الْمُرْتَدِّ قَبْلَ الْبُلُوغِ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ.
إرْثُ الْمُرْتَدِّ:
47 -اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَالِ الْمُرْتَدِّ إذَا قُتِلَ، أَوْ مَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أ - أَنَّ جَمِيعَ مَالِهِ يَكُونُ فَيْئًا لِبَيْتِ الْمَالِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ. ب - أَنَّهُ يَكُونُ مَالُهُ لِوَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، سَوَاءٌ اكْتَسَبَهُ فِي إسْلَامِهِ أَوْ رِدَّتِهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ. ج - أَنَّ مَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ إسْلَامِهِ لِوَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَمَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ رِدَّتِهِ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَرِثُ أَحَدًا مِنْ أَقَارِبِهِ الْمُسْلِمِينَ لِانْقِطَاعِ الصِّلَةِ بِالرِّدَّةِ. كَمَا لَا يَرِثُ كَافِرًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى الدِّينِ الَّذِي صَارَ إلَيْهِ. وَلَا يَرِثُ مُرْتَدٌّ مِثْلَهُ. وَوَصِيَّةُ الْمُرْتَدِّ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهَا مِنْ الْقُرَبِ وَهِيَ تَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ.
أَثَرُ الرِّدَّةِ فِي إحْبَاطِ الْعَمَلِ:
48 -قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} قَالَ الْأَلُوسِيُّ تَبَعًا لِلرَّازِيِّ: إنَّ مَعْنَى الْحُبُوطِ هُوَ