أَظْهَرَ لَهُمْ الْعَدَاءَ، قَالَ الرَّازِيُّ: بِأَنْ لَا يُظْهِرَ لَهُمْ الْعَدَاوَةَ بِاللِّسَانِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُظْهِرَ الْكَلَامَ الْمُوهِمَ لِلْمَحَبَّةِ وَالْمُوَالَاةِ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُضْمِرَ خِلَافَهُ وَأَنْ يُعَرِّضَ فِي كُلِّ مَا يَقُولُ، فَإِنَّ التَّقِيَّةَ تَاثِيرُهَا فِي الظَّاهِرِ لَا فِي أَحْوَالِ الْقُلُوبِ. وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى كُفْرٍ فِعْلِيٍّ كَالسُّجُودِ لِصَنَمٍ أَوْ إهَانَةِ مُصْحَفٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرَخَّصُ لَهُ فِي فِعْلِهِ تَقِيَّةً، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي قوله تعالى {إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} قَالَ: الْكُفْرُ يَكُونُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادٍ وَقَدْ يَكُونُ بِاعْتِقَادٍ، فَاسْتَثْنَى الْأَوَّلَ وَهُوَ الْمُكْرَهُ.
أَكْلُ لَحْمِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهِ:
24 -يُبَاحُ لِلْمُكْرَهِ شُرْبُ الْخَمْرِ وَأَكْلُ لَحْمِ الْمَيْتَةِ أَوْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ إذَا وُجِدَتْ شُرُوطُهَا لِأَنَّ حُرْمَةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ثَابِتَةٌ بِالشَّرْعِ، وَهِيَ مُفْسِدَةٌ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَى حَالَ الضَّرُورَةِ مِنْ التَّحْرِيمِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {إلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ} فَظَهَرَ أَنَّ التَّحْرِيمَ مَخْصُوصٌ بِحَالَةِ الِاخْتِيَارِ، وَقَدْ تَحَقَّقَتْ الضَّرُورَةُ هُنَا لِخَوْفِ التَّلَفِ عَلَى نَفْسِهِ بِسَبَبِ الْإِكْرَاهِ. . فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى قُتِلَ يَكُونُ آثِمًا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَكُونُ آثِمًا.
-اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا تَحِلُّ فِيهِ التَّقِيَّةُ وَمَا لَا تَحِلُّ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ التَّقِيَّةَ خَاصَّةً بِالْقَوْلِ، وَلَا تَتَعَدَّى إلَى الْفِعْلِ، وَعَلَيْهِ فَلَا يُرَخَّصُ بِحَالٍ بِالسُّجُودِ لِصَنَمٍ أَوْ بِأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ أَوْ بِزِنًى. وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَسَحْنُونٍ. وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّ الْإِكْرَاهَ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ سَوَاءٌ. وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عَلَى تَفْصِيلٍ وَخِلَافٍ يُعْرَفُ مِمَّا فِي بَحْثِ (إكْرَاهٌ) وَمِنْ التَّفْصِيلِ التَّالِي
25 -إنْ خَافَ الْمُصَلِّي عَلَى نَفْسِهِ عَدُوًّا يَرَاهُ إذَا قَامَ وَلَا يَرَاهُ إذَا قَعَدَ جَازَتْ صَلَاتُهُ قَاعِدًا وَسَقَطَ عَنْهُ فَرْضُ الْقِيَامِ. وَكَذَا الْأَسِيرُ لَدَى الْكُفَّارِ إنْ خَافَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ إنْ رَأَوْهُ يُصَلِّي فَإِنَّهُ يُصَلِّي كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ، قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ مُسْتَلْقِيًا، إلَى الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا، بِالْإِيمَاءِ حَضَرًا أَوْ سَفَرًا، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم {إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَاتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وَمِثْلُهُ الْمُخْتَبِئُ فِي مَكَان يَخَافُ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ الْعَدُوُّ إنْ خَرَجَ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَكَانِهِ عَلَى صِفَةِ الْكَمَالِ. وَلَوْ خَافَ الْمُصَلِّي مِنْ عَدُوِّهِ الضَّرَرَ إنْ رَآهُ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ فَلَهُ أَنْ يُومِئَ بِطَرَفِهِ وَيَنْوِيَ بِقَلْبِهِ. وَالْحَنَابِلَةُ لَا يَرَوْنَ الصَّلَاةَ خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ وَالْفَاسِقِ فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ وَعِيدٍ يُصَلِّيَانِ بِمَكَانٍ وَاحِدٍ مِنْ الْبَلَدِ، فَإِنْ خَافَ مِنْهُ إنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ فَإِنَّهُ يُصَلِّي خَلْفَهُ تَقِيَّةً ثُمَّ يُعِيدُ الصَّلَاةَ. وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ {: سَمِعْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَى مِنْبَرِهِ يَقُولُ لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا، إلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ أَوْ يَخَافَ سَوْطَهُ أَوْ سَيْفَهُ} . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ حِيلَةً فِي تِلْكَ الْحَالِ يُمْكِنُ اعْتِبَارُهَا مِنْ التَّقِيَّةِ لِمَا فِيهَا مِنْ الِاسْتِتَارِ، وَهِيَ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَهُ بِنِيَّةِ الِانْفِرَادِ، فَيُوَافِقُ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ أَتَى بِأَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَشُرُوطِهَا عَلَى الْكَمَالِ، فَلَا تَفْسُدُ بِمُوَافَقَةِ غَيْرِهِ فِي الْأَفْعَالِ.
التَّقِيَّةُ فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ: