يُجَهِّزْ غَازِيًا أَوْ يَخْلُفْ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ أَصَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ: {مَنْ لَقِيَ اللَّهَ بِغَيْرِ أَثَرٍ مِنْ جِهَادٍ لَقِيَ اللَّهَ وَفِيهِ ثُلْمَةٌ} . وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: {مَا تَرَكَ قَوْمٌ الْجِهَادَ إلَّا عَمَّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِالْعَذَابِ} . تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ ظَاهِرٌ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَحْصُلُ بِهِ مِنْ الْفَسَادِ الْعَائِدِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ مَا لَا يُتَدَارَكُ خَرْقُهُ وَعَلَيْهَا يُحْمَلُ مَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَالْأَحَادِيثِ مِنْ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنِّي لَمْ أَرَ أَحَدًا تَعَرَّضَ لِعَدِّ ذَلِكَ مَعَ ظُهُورِهِ. الزواجر عن اقتراف الكبائر - (ج 3 / ص 147)
ـــــــــــــــ
ففي سنن النسائى (3110) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِغَزْوٍ مَاتَ عَلَى شُعْبَةِ نِفَاقٍ» . (صحيح)
قَوْله (وَلَمْ يُحَدِّث نَفْسه) مِنْ التَّحْدِيث قِيلَ بِأَنْ يَقُول فِي نَفْسه يَا لَيْتَنِي كُنْت غَازِيًا أَوْ الْمُرَاد وَلَمْ يَنْوِ الْجِهَاد وَعَلَامَته إِعْدَاد الْآلَات قَالَ تَعَالَى وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوج لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّة
(شُعْبَة) بِضَمِّ فَسُكُون قِيلَ أَشْبَهَ الْمُنَافِقِينَ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ الْجِهَاد فِي وَصْفِ التَّخَلُّف وَلَعَلَّهُ مَخْصُوص بِوَقْتِهِ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا رُوِيَ عَنْ اِبْن الْمُبَارَك وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم. شرح سنن النسائي - (ج 4 / ص 381)
وفي صحيح مسلم (5040) عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ» .
وَالْمُرَاد أَنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ أَشْبَهَ الْمُنَافِقِينَ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ الْجِهَاد فِي هَذَا الْوَصْف، فَإِنَّ تَرْك الْجِهَاد أَحَد شُعَب النِّفَاق. وَفِي هَذَا الْحَدِيث: أَنَّ مَنْ نَوَى فِعْل عِبَادَة فَمَاتَ قَبْل فِعْلهَا لَا يَتَوَجَّه عَلَيْهِ مِنْ الذَّمّ مَا يُتَوَجَّه عَلَى مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَنْوِهَا، وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَصْحَابنَا فِيمَنْ تَمَكَّنَ مِنْ الصَّلَاة فِي أَوَّل وَقْتهَا فَأَخَّرَهَا بِنِيَّةِ أَنْ يَفْعَلهَا فِي أَثْنَائِهِ فَمَاتَ قَبْل فِعْلهَا، أَوْ أَخَّرَ الْحَجّ بَعْد التَّمَكُّن إِلَى سَنَة أُخْرَى فَمَاتَ قَبْل فِعْله هَلْ يَاثَم أَمْ لَا؟ وَالْأَصَحّ عِنْدهمْ أَنَّهُ يَاثَم فِي الْحَجّ دُون الصَّلَاة؛ لِأَنَّ مُدَّة الصَّلَاة قَرِيبَة، فَلَا تُنْسَب إِلَى تَفْرِيط بِالتَّاخِيرِ، بِخِلَافِ الْحَجّ، وَقِيلَ: يَاثَم فِيهِمَا، وَقِيلَ: لَا يَاثَم فِيهِمَا، وَقِيلَ يَاثَم فِي الْحَجّ الشَّيْخ دُون الشَّابّ. وَاللَّهُ أَعْلَم. شرح النووي على مسلم - (ج 6 / ص 391)
إن «الجهاد» ليس ملابسة طارئة من ملابسات تلك الفترة. إنما هو ضرورة مصاحبة لركب هذه الدعوة! وليست المسألة - كما توهم بعض المخلصين - أن الإسلام نشأ في عصر الإمبراطوريات؛ فاندس في تصورات أهله - اقتباسًا مما حولهم - أنه لا بد لهم من قوة قاهرة لحفظ التوازن!
هذه المقررات تشهد - على الأقل - بقلة ملابسة طبيعة الإسلام الأصيلة لنفوس هؤلاء القائلين بهذه التكهنات والظنون.