26 -إذَا خَافَ عَلَى مَالِهِ مِنْ ظَالِمٍ يَغْصِبُهُ، فَيُوَاطِئُ رَجُلًا عَلَى أَنْ يُظْهِرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ لِيَحْتَمِيَ بِذَلِكَ وَلَا يُرِيدَانِ بَيْعًا حَقِيقِيًّا. وَهَذَا الْبَيْعُ صَحِيحٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَبَاطِلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ. أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَفِي تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ: يَجُوزُ الِاسْتِرْعَاءُ فِي الْبَيْعِ وَهُوَ أَنْ يُشْهِدَ قَبْلَ الْبَيْعِ أَنِّي إنْ بِعْت هَذِهِ الدَّارَ فَإِنَّمَا أَبِيعُهَا لِأَمْرٍ أَخَافُهُ مِنْ قِبَلِ ظَالِمٍ أَوْ غَاصِبٍ، وَلَا يَثْبُتُ الِاسْتِرْعَاءُ فِي هَذِهِ الْحَالِ إلَّا إنْ كَانَ الشُّهُودُ يَعْرِفُونَ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْبَيْعِ وَالْإِخَافَةِ الَّتِي يَذْكُرُهَا وَالِاسْتِرْعَاءُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَصِحُّ وَيُفِيدُ صَاحِبَهُ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ تَطَوُّعِيٍّ كَالطَّلَاقِ وَالْوَقْفِ وَالْهِبَةِ. فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُنَفِّذَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الشُّهُودُ السَّبَبَ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ، إذْ الْمُبَايَعَةُ خِلَافُ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ وَقَدْ أَخَذَ الْبَائِعُ فِيهِ ثَمَنًا وَفِي ذَلِكَ حَقٌّ لِلْمُبْتَاعِ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: مَنْ اُسْتُرْعِيَ فِي وَقْفٍ عَلَى تَقِيَّةٍ اتَّقَاهَا ثُمَّ أَشْهَدَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى إمْضَائِهِ جَازَ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَلَى مِلْكِهِ. وَإِنْ اسْتَرْعَى أَنَّهُ يَتْرُكُ حَقَّهُ فِي الشُّفْعَةِ خَوْفًا مِنْ إضْرَارِ الْمُشْتَرِي وَلَهُ سُلْطَانٌ وَقُدْرَةٌ، وَأَنَّهُ غَيْرُ تَارِكٍ لِطَلَبِهِ مَتَى أَمْكَنَهُ نَفَعَهُ ذَلِكَ. ثُمَّ إذَا ذَهَبَتْ التَّقِيَّةُ وَقَامَ مِنْ فَوْرِهِ بِالْمُطَالَبَةِ قُضِيَ لَهُ. وَاخْتَلَفُوا إذَا سَكَتَ عَنْ الْمُطَالَبَةِ بَعْدَ زَوَالِ مَا يَتَّقِيهِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ الْمُطَالَبَةُ، لِأَنَّهُ مَتَى زَالَ فَكَأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ حِينَئِذٍ. وَيَجِبُ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ شُهُودِ الِاسْتِرْعَاءِ، وَأَقَلُّهُمْ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَرْبَعَةُ شُهُودٍ. وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (بَيْعُ التَّلْجِئَةِ) .
27 -بَيَانُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ فِي الْأَصْلِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَإِذَا خَافَ الْمُسْلِمُ ضَرَرًا يَلْحَقُهُ مِنْ ذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ الْأَمْرِ وَالْإِنْكَارِ بِالْيَدِ إلَى الْأَمْرِ وَالْإِنْكَارِ بِاللِّسَانِ، فَإِنْ خَافَ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا جَازَ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى السُّكُوتِ عَنْ الْمُنْكَرِ مَعَ الْإِنْكَارِ بِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْوَارِدِ، وَذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ التَّقِيَّةِ. عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ حَيْثُ يُشْرَعُ التَّغْيِيرُ بِالْيَدِ ثُمَّ الْإِنْكَارُ بِاللِّسَانِ، مَعَ خَوْفِ الضَّرَرِ، أَعْظَمَ دَرَجَةً مِنْ السُّكُوتِ، إذْ أَنَّ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ الْجِهَادِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حِكَايَةِ قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ {يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلَاةَ وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَك إنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} وَفِي الْحَدِيثِ: {أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ثُمَّ رَجُلٌ قَامَ إلَى إمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقُتِلَ} .
28 -وَتَعْظُمُ دَرَجَةُ الْآمِرِ وَالنَّاهِي إنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، بِأَنْ نَكَلَ عَنْ الْبَيَانِ مَنْ سِوَاهُ، حَتَّى عَمَّ الْمُنْكَرُ وَظَهَرَ، وَخَاصَّةً فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّلْبِيسِ فِي الدِّينِ وَطَمْسِ، مَعَالِمِهِ، فَلَوْ أَخَذَ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ بِالتَّقِيَّةِ، وَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِوَاجِبِ الْبَيَانِ لَظَهَرَتْ الْبِدْعَةُ وَعَمَّتْ، وَتَبَدَّلَتْ الشَّرِيعَةُ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ وَقَدْ أُخِذَ الْعُلَمَاءُ فِي عَهْدِ الْمَامُونِ وَالْمُعْتَصِمِ وَامْتُحِنُوا لِيَقُولُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَكَانَ ذَلِكَ بِمَشُورَةٍ مِنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ. فَلَمَّا هُدِّدَ الْعُلَمَاءُ وَأُوذُوا قَالُوا بِذَلِكَ فَتُرِكُوا، وَلَمْ يَثْبُتْ مِنْهُمْ فِي الْمِحْنَةِ إلَّا أَرْبَعَةٌ أَوْ خَمْسَةٌ مَاتَ بَعْضُهُمْ فِي السِّجْنِ. وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ أَيَّامَ مِحْنَتِهِ فِي خَلْقِ الْقُرْآنِ أَنَّهُ سُئِلَ: إنْ عُرِضْت عَلَى السَّيْفِ تُجِيبُ؟ قَالَ: لَا، وَقَالَ: إذَا أَجَابَ الْعَالِمُ تَقِيَّةً، وَالْجَاهِلُ يَجْهَلُ، فَمَتَى يَتَبَيَّنُ الْحَقُّ؟. وَكَانَ أَبُو يَعْقُوبَ الْبُوَيْطِيُّ صَاحِبُ الْإِمَامِ