بِالتَّقِيَّةِ فِي قَضِيَّةِ إظْهَارِ الْكُفْرِ. وَمِنْهَا قوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} . وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم {لَا تُشْرِكْ بِاَللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قُتِّلْت وَحُرِّقْت} وَكَذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ مُسَيْلِمَةَ، فَقَدْ عَذَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الصَّحَابِيَّ الَّذِي وَافَقَ مُسَيْلِمَةَ وَقَالَ فِيهِ: {لَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ} وَقَالَ فِي حَقِّ الَّذِي ثَبَتَ فَقُتِلَ: {مَضَى عَلَى صِدْقِهِ وَيَقِينِهِ، وَأَخَذَ بِفَضْلِهِ، فَهَنِيئًا لَهُ} وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّفْضِيلِ. وَاحْتَجَّ السَّرَخْسِيُّ أَيْضًا بِقِصَّةِ {خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ لَمَّا امْتَنَعَ مِنْ مُوَافَقَةِ قُرَيْشٍ عَلَى الْكُفْرِ حَتَّى قَتَلُوهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هُوَ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ وَقَالَ: هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ} .
10 -وَقَدْ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ رحمه الله لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَابًا بِعِنْوَانِ (بَابُ مَنْ اخْتَارَ الضَّرْبَ وَالْقَتْلَ وَالْهَوَانَ عَلَى الْكُفْرِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ أَنَّهُ قَالَ {شَكَوْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ، فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ لَهُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى مَفْرِقِ رَاسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمَشَّطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مِنْ دُونِ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه وسلم وَاَللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إلَى حَضْرَمَوْتَ، لَا يَخَافُ إلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ} . وَهُوَ وَاضِحُ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَقْصُودِ. وَهَكَذَا كُلُّ أَمْرٍ فِيهِ إعْزَازٌ لِلدِّينِ وَإِعْلَاءٌ لِكَلِمَةِ اللَّهِ وَإِظْهَارٌ لِثَبَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَبَسَالَتِهِمْ، وَتَثْبِيتٌ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْحَقِّ، يَكُونُ الثَّبَاتُ عَلَى الْحَقِّ وَإِظْهَارُهُ أَوْلَى مِنْ التَّقِيَّةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ نَحْوِ الْإِكْرَاهِ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَحَيْثُ لَا تَظْهَرُ الْمَصَالِحُ الْمَذْكُورَةُ.
11 - (الْحُكْمُ الْأَوَّلُ) : أَنَّ التَّقِيَّةَ إنَّمَا تَكُونُ إذَا كَانَ الرَّجُلُ فِي قَوْمٍ كُفَّارٍ، وَيَخَافُ مِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ فَيُدَارِيهِمْ بِاللِّسَانِ، وَذَلِكَ بِأَنْ لَا يُظْهِرَ الْعَدَاوَةَ بِاللِّسَانِ، بَلْ يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يُظْهِرَ الْكَلَامَ الْمُوهِمَ لِلْمَحَبَّةِ وَالْمُوَالَاةِ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُضْمِرَ خِلَافَهُ، وَأَنْ يُعَرِّضَ فِي كُلِّ مَا يَقُولُ، فَإِنَّ التَّقِيَّةَ تَاثِيرُهَا فِي الظَّاهِرِ لَا فِي أَحْوَالِ الْقُلُوبِ.
12 - (الْحُكْمُ الثَّانِي لِلتَّقِيَّةِ) : أَنَّهُ لَوْ أَفْصَحَ بِالْإِيمَانِ وَالْحَقِّ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ التَّقِيَّةُ كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ، وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي قِصَّةِ مُسَيْلِمَةَ.
13 - (الْحُكْمُ الثَّالِثُ لِلتَّقِيَّةِ) : أَنَّهَا إنَّمَا تَجُوزُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِظْهَارِ الْمُوَالَاةِ وَالْمُعَادَاةِ، وَقَدْ تَجُوزُ أَيْضًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِظْهَارِ الدِّينِ فَأَمَّا مَا يَرْجِعُ ضَرَرُهُ إلَى الْغَيْرِ كَالْقَتْلِ وَالزِّنَى وَغَصْبِ الْأَمْوَالِ وَالشَّهَادَةِ بِالزُّورِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ وَاطِّلَاعِ الْكُفَّارِ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، فَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ أَلْبَتَّةَ.
14 - (الْحُكْمُ الرَّابِعُ) : ظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّقِيَّةَ إنَّمَا تَحِلُّ مَعَ الْكُفَّارِ الْغَالِبِينَ إلَّا أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه أَنَّ الْحَالَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إذَا شَاكَلَتْ الْحَالَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ حَلَّتْ التَّقِيَّةُ مُحَامَاةً عَلَى النَّفْسِ.