(ولنسكننكم الأرض من بعدهم) . . لا محاباة ولا جزافا، إنما هي السنة الجارية العادلة:
(ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد) . . ذلك الإسكان والاستخلاف لمن خاف مقامي، فلم يتطاول ولم يتعال ولم يستكبر ولم يتجبر. وخاف وعيد، فحسب حسابه، واتقى أسبابه، فلم يفسد في الأرض، ولم يظلم في الناس. فهو من ثم يستحق الاستخلاف، ويناله باستحقاق.
وهكذا تلتقي القوة الصغيرة الهزيلة - قوة الطغاة الظالمين - بالقوة الجبارة الطامة - قوة الجبار المهيمن المتكبر - فقد انتهت مهمة الرسل عند البلاغ المبين والمفاصلة التي تميز المؤمنين من المكذبين.
ووقف الطغاة المتجبرون بقوتهم الهزيلة الضئيلة في صف، ووقف الرسل الداعون المتواضعون ومعهم قوة الله - سبحانه - في صف. ودعا كلاهما بالنصر والفتح. . وكانت العاقبة كما يجب أن تكون:
(واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد. من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد. يتجرعه ولا يكاد يسيغه، ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت، ومن ورائه عذاب غليظ) . .
والمشهد هنا عجيب. إنه مشهد الخيبة لكل جبار عنيد. مشهد الخيبة في هذه الأرض. ولكنه يقف هذا الموقف، ومن ورائه تخايل جهنم وصورته فيها، وهو يسقى من الصديد السائل من الجسوم. يسقاه بعنف فيتجرعه غصبا وكرها، ولا يكاد يسيغه، لقذارته ومرارته، والتقزز والتكره باديان نكاد نلمحها من خلال الكلمات! ويأتيه الموت بأسبابه المحيطة به من كل مكان، ولكنه لا يموت، ليستكمل عذابه. ومن ورائه عذاب غليظ. . إنه مشهد عجيب، يرسم الجبار الخائب المهزوم ووراءه مصيره يخايل له على هذا النحو المروع الفظيع. وتشترك كلمة (غليظ) في تفظيع المشهد، تنسيقا له مع القوة الغاشمة التي كانوا يهددون بها دعاة الحق والخير والصلاح واليقين. في ظلال القرآن - (ج 4 / ص 394)
ـــــــــــــــ
قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَابِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَايَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (13) [آل عمران/10 - 13] }
إنَّ الذِينَ كَفَروا بِاللهِ، وَبِآيَاتِهِ وَرُسُلِهِ، وَجَحَدُوا مَا عَرَفُوهُ مِنْ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، لَنْ تُفِيدَهُمْ شَيْئًا عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ أمْوالُهُمْ (التِي يَبْذلُونَهَا فِي جَلْبِ المَنَافِعِ، وَدَفْعِ المَضَارِّ) وَلاَ أوْلاَدُهُمُ (الذِينَ يَتَنَاصَرُونَ بِهِمْ فِي الدُّنيا) ، وَسَيَكُونُونَ حَطَبًا تُوْقَدُ بِهِ جَهَنَّمُ.