فهرس الكتاب

الصفحة 522 من 1257

السادسة واختلفوا إذا سَبّه ثم أسلم تَقِيّة من القتل؛ فقيل: يُسقط إسلامُه قتلَه؛ وهو المشهور من المذهب؛ لأن الإسلام يَجُبّ ما قبله. بخلاف المسلم إذا سَبّه ثم تاب؛ قال الله عزّ وجل: {قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] . وقيل: لا يُسقط الإسلامُ قتلَه؛ قاله في العُتْبِية؛ لأنه حقٌّ للنبيّ صلى الله عليه وسلم وجب لانتهاكه حرمته وقصدِه إلحاق النّقِيصة والمعرّة به، فلم يكن رجوعه إلى الإسلام بالذي يسقطه، ولا يكون أحسنَ حالًا من المسلم.

السابعة قوله تعالى: {فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر} «أئمّة» جمع إمام، والمراد صناديد قريش في قول بعض العلماء كأبي جهل وعتبة وشيبة وأُمية بن خلف. وهذا بعيد؛ فإن الآية في سورة «براءة» وحين نزلت وقُرئت على الناس كان الله قد استأصل شَافة قريش فلم يبق إلاَّ مسلم أو مسالم؛ فيحتمل أن يكون المراد {فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر} . أي من أقدم على نكث العهد والطعنِ في الدين يكون أصلًا ورأسًا في الكفر؛ فهو من أئمة الكفر على هذا. ويحتمل أن يعني به المتقدِمون والرؤساء منهم، وأن قتالهم قتالٌ لأتباعهم وأنهم لا حُرْمة لهم. والأصل أَامِمَة كمثال وأمثلة، ثم أدغمت الميم في الميم وقُلبت الحركة على الهمزة فاجتمعت همزتان، فأبدلت من الثانية ياء. وزعم الأخفش أنك تقول: هذا أيمّ من هذا؛ بالياء. وقال المازنيّ: أَوَمّ من هذا، بالواو. وقرأ حمزة «أئمة» . وأكثر النحويين يذهب إلى أن هذا لحن؛ لأنه جمع بين همزتين في كلمة واحدة. {إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ} أي لا عهود لهم؛ أي ليست عهودهم صادقةً يُوفون بها. وقرأ ابن عامر «لا إيمان لهم» بكسر الهمزة من الإيمان؛ أي لا إسلام لهم. ويحتمل أن يكون مصدر آمنته إيمانًا، من الأمن الذي ضدّه الخوف، أي لا يؤمنون؛ من آمنته إيمانًا أي أجرته؛ فلهذا قال: {فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر} . {لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} أي عن الشرك. قال الكَلْبِيّ: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم وادع أهل مكة سنةً وهو بالحُدَيْبِيَة فحبسوه عن البيت، ثم صالحوه على أن يرجع فمكثوا ما شاء الله، ثم قاتل حلفاءُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خُزاعة حلفاءَ بني أُميّة من كِنَانة، فأمدّت بنو أُمية حلفاءهم بالسلاح والطعام. فاستعانت خُزاعة برسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعين حلفاءه كما سبق. وفي البخاريّ عن زيد ابن وهب قال: كنا عند حُذيفة فقال ما بقي من أصحاب هذه الآية يعني {فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ} إلاَّ ثلاثة، ولا بقي من المنافقين إلاَّ أربعة. فقال أعرابيّ: إنكم أصحابَ محمد تخبرون أخبارًا لا ندري ما هي! تزعمون ألاّ منافق إلاَّ أربعة، فما بال هؤلاء الذين يبْقُرُون بيوتنا ويسرقون أعلاقنا. قال: أُولئك الفسّاق. أجل لم يبق منهم إلاَّ أربعة؛ أحدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده.

قوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} أي عن كفرهم وباطلهم وأذيتهم للمسلمين. وذلك يقتضي أن يكون الغرض من قتالهم دفْع ضررهم لينتهوا عن مقاتلتنا ويدخلوا في ديننا. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 2382)

وفي الظلال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت