فهرس الكتاب

الصفحة 371 من 1257

عَلَيْهِ، وَلَا يُدْفَنُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ. وَدَلِيلُ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ} وَحَدِيثُ: {لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسِ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبِ الزَّانِي وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ الْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ} . أَمَّا الْمُرْتَدَّةُ فَهِيَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ كَالْمُرْتَدِّ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ} ، وَلِمَا رَوَى جَابِرٌ {أَنَّ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ رُومَانَ ارْتَدَّتْ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ فَإِنْ تَابَتْ وَإِلَّا قُتِلَتْ} . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ لَا تُقْتَلُ، بَلْ تُحْبَسُ حَتَّى تَتُوبَ أَوْ تَمُوتَ، {لِنَهْيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَتْلِ الْكَافِرَةِ الَّتِي لَا تُقَاتِلُ أَوْ تُحَرِّضُ عَلَى الْقِتَالِ} ، فَتُقَاسُ الْمُرْتَدَّةُ عَلَيْهِمَا.

أَثَرُ الرِّدَّةِ عَلَى مَالِ الْمُرْتَدِّ وَتَصَرُّفَاتِهِ: دُيُونُ الْمُرْتَدِّ:

41 -ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ اُبْتُدِئَ مِنْ تَرِكَتِهِ بِتَسْدِيدِ دُيُونِهِ. لَكِنْ هَلْ يُسَدَّدُ مِنْ كَسْبِهِ فِي الْإِسْلَامِ؟ أَمْ مِنْ كَسْبِهِ فِي الرِّدَّةِ؟ أَمْ مِنْهُمَا مَعًا؟ اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي مَصِيرِ أَمْوَالِ الْمُرْتَدِّ وَتَصَرُّفَاتِهِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ السَّرَخْسِيُّ: اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي قَضَاءِ دُيُونِهِ، فَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه أَنْ تُقْضَى دُيُونُهُ مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَفِ بِذَلِكَ فَحِينَئِذٍ مِنْ كَسْبِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ كَسْبَ الْإِسْلَامِ حَقُّ وَرَثَتِهِ، وَلَا حَقَّ لِوَرَثَتِهِ فِي كَسْبِ رِدَّتِهِ، بَلْ هُوَ خَالِصُ حَقِّهِ، فَلِهَذَا كَانَ فَيْئًا إذَا قُتِلَ، فَكَانَ وَفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ خَالِصِ حَقِّهِ أَوْلَى، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُبْدَأُ بِكَسْبِ الْإِسْلَامِ فِي قَضَاءِ دُيُونِهِ، فَإِنْ لَمْ تَفِ بِذَلِكَ فَحِينَئِذٍ مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ مِنْ مِلْكِ الْمَدْيُونِ. . فَأَمَّا كَسْبُ الرِّدَّةِ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لَهُ، فَلَا يُقْضَى دَيْنُهُ مِنْهُ، إلَّا إذَا تَعَذَّرَ قَضَاؤُهُ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ. وَرَوَى زُفَرُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ دُيُونَ إسْلَامِهِ تُقْضَى مِنْ كَسْبِ الْإِسْلَامِ، وَمَا اسْتَدَانَ فِي الرِّدَّةِ يُقْضَى مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِلْكَسْبَيْنِ مُخْتَلِفٌ، وَحُصُولُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَسْبَيْنِ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِ الَّذِي وَجَبَ بِهِ الدَّيْنُ، فَيُقْضَى كُلُّ دَيْنٍ مِنْ الْكَسْبِ الْمُكْتَسَبِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ؛ لِيَكُونَ الْغُرْمُ بِمُقَابَلَةِ الْغُنْمِ، وَبِهِ قَالَ زُفَرُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اكْتَسَبَهُ فِي رِدَّتِهِ، كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ كَسْبُهُ فَيَكُونُ مَصْرُوفًا إلَى دَيْنِهِ، كَكَسْبِ الْمُكَاتَبِ. 42 - وَإِذَا أَقَرَّ الْمُرْتَدُّ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ فَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: إنْ أَسْلَمَ جَازَ، أَمَّا إنْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ، فَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ إلَّا عَلَى مَا اكْتَسَبَهُ بَعْدَ رِدَّتِهِ. أَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَيَرَى أَنَّ إقْرَارَهُ كُلَّهُ جَائِزٌ إنْ قُتِلَ مُرْتَدًّا، أَوْ تَابَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ إنْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ مَاتَ، فَإِنَّ إقْرَارَهُ بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِ الْمَرِيضِ، يُبْتَدَأُ أَوَّلًا بِدَيْنِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ كَانَ لِأَصْحَابِ دُيُونِ الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا أُهْدِرَ دَمُهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى اعْتِبَارِ إقْرَارِ الْمُرْتَدِّ عَمَّا قَبْلَ الرِّدَّةِ وَخِلَالِهَا، مَا لَمْ يُوقَفْ تَصَرُّفُهُ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أَقَرَّ بِهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ لِأَحَدٍ، قَالَ: وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ الدَّيْنُ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ، وَلَا بِإِقْرَارٍ مِنْهُ مُتَقَدِّمٍ لِلرِّدَّةِ، وَلَمْ يُعْرَفْ إلَّا بِإِقْرَارٍ مِنْهُ فِي الرِّدَّةِ فَإِقْرَارُهُ جَائِزٌ عَلَيْهِ وَمَا دَانَ فِي الرِّدَّةِ، قَبْلَ وَقْفِ مَالِهِ لَزِمَهُ، وَمَا دَانَ بَعْدَ وَقْفِ مَالِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ بَيْعٍ رُدَّ الْبَيْعُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ سَلَفٍ وُقِفَ، فَإِنْ مَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ بَطَلَ، وَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ لَزِمَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت