تكون المعركة وفي هذا يكون الجهاد. وليس هنالك أسباب أخرى يعادي فيها المسلم ويعارك ويجاهد. فهو إنما يعادي لله ويعارك لله ويجاهد لله! فالصلة وثيقة بين هذه التوجيهات كلها وبين استعراض المعركة في هذا السياق. . كما أن الصلة وثيقة بينها وبين الملابسات الخاصة التي صاحبت هذه المعركة. من مخالفة عن أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن طمع في الغنيمة نشأت عنه المخالفة. ومن اعتزاز بالذات والهوى نشأ عنه تخلف عبد الله ابن أبيّ ومن معه. ومن ضعف بالذنب نشأ عنه تولي من تولى - كما سيرد في السياق - ومن غبش في التصور نشأ عنه عدم رد الأمور إلى الله، وسؤال بعضهم: {هل لنا من الأمر من شيء} ؟ وقول بعضهم: {لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا} . .
والقرآن يتناول هذه الملابسات كلها، واحدة واحدة، فيجلوها، ويقرر الحقائق فيها، ويلمس النفوس لمسات موحية تستجيشها وتحييها. . على هذا النحو الفريد الذي نرى نماذج منه في هذا السياق. في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 446)
ـــــــــــــــ
قال تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (21) سورة الحديد
سَابِقُوا يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ أَقْرَانَكُمْ فِي مِضْمَارِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَقُومُوا بِمَا كَلَّفَكُمْ بِهِ رَبَّكُمْ مِنَ الوَاجِبَاتِ، يُدْخِلْكُمْ رَبُّكُمْ جَنَّةً وَاسِعَةً عَرْضُها كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَقَدْ أَعَدَّهَا اللهُ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، وَصَدَّقُوا رُسُلَهُ فِيمَا جَاؤُوهُمْ بِهِ، وَهَذَا الذِي أَهَّلَهُمُ اللهُ لَهُ هُوَ مِنْ فَضْلِهِ عَلَيْهِمْ، وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، وَاللهُ وَاسِعُ الفَضْلِ كَثِيرُ العَطَاءِ، فَيُعْطِي مَنْ يَشَاءُ مَا شَاءَ كَرَمًا وَتَفُضُّلًا.
وفي الظلال:
فليس السباق إلى إحراز اللهو واللعب والتفاخر والتكاثر بسباق يليق بمن شبوا عن الطوق، وتركوا عالم اللهو اللعب للأطفال والصغار! إنما السباق إلى ذلك الأفق، وإلى ذلك الهدف، وإلى ذلك الملك العريض: (جنة عرضها كعرض السماء والأرض) . .
وربما كان بعضهم في الزمن الخالي - قبل أن تكشف بعض الحقائق عن سعة هذا الكون - يميل إلى حمل مثل هذه الآية على المجاز، وكذلك حمل بعض الأحاديث النبوية. كذلك الحديث الذي أسلفنا عن أصحاب الغرف التي يتراءاها سكان الجنة كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب. . فأما اليوم ومراصد البشر الصغيرة تكشف عن الأبعاد الكونية الهائلة التي ليس لها حدود، فإن الحديث عن عرض الجنة، والحديث عن تراءي الغرف من بعيد، يقع قطعا موقع الحقيقة القريبة البسيطة المشهودة، ولا يحتاج إلى حمله على المجاز إطلاقا! فإن ما بين الأرض والشمس مثلا لا يبلغ أن يكون شيئا في أبعاد الكون يقاس!