فهرس الكتاب

الصفحة 1158 من 1257

شيء واحد يتطلبه: ألا يجف قلبه وتظلم روحه فينسى الله. . وما دام يذكر الله. ما دام في روحه ذلك المشعل الهادي. ما دام في ضميره ذلك الهاتف الحادي. ما دام في قلبه ذلك الندى البليل. . فسيطلع النور في روحه من جديد وسيؤوب إلى الحمى الآمن من جديد وستنبت البذرة الهامدة من جديد.

إن طفلك الذي يخطئ ويعرف أن السوط - لا سواه - في الدار. . سيروح آبقًا شاردًا لا يثوب إلى الدار أبدًا. فأما إذا كان يعلم أن إلى جانب السوط يدًا حانية تربت على ضعفه حين يعتذر من الذنب وتقبل عذره حين يستغفر من الخطيئة. . فإنه سيعود!

وهكذا يأخذ الإسلام هذا المخلوق البشري الضعيف في لحظات ضعفه. . فإنه يعلم أن فيه بجانب الضعف قوة وبجانب الثقلة رفرفة وبجانب النزوة الحيوانية أشواقًا ربانية. . فهو يعطف عليه في لحظة الضعف ليأخذ بيده إلى مراقي الصعود ويربت عليه في لحظة العثرة ليحلق به إلى الأفق من جديد. ما دام يذكر الله ولا ينساه ولا يصر على الخطيئة وهو يعلم أنها الخطيئة! والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة»

والإسلام لا يدعو - بهذا - إلى الترخص ولا يمجد العاثر الهابط ولا يهتف له بجمال المستنقع! كما تهتف «الواقعية» ! إنما هو يقيل عثرة الضعف ليستجيش في النفس الإنسانية الرجاء كما يستجيش فيها الحياء! فالمغفرة من الله - ومن يغفر الذنوب إلا الله؟ - تخجل ولا تطمع وتثير الاستغفار ولا تثير الاستهتار.

فأما الذين يستهترون ويصرون فهم هنالك خارج الأسوار موصدة في وجوههم الأسوار!

وهكذا يجمع الإسلام بين الهتاف للبشرية إلى الآفاق العلى والرحمة بهذه البشرية التي يعلم طاقتها. ويفتح أمامها باب الرجاء أبدًا ويأخذ بيدها إلى أقصى طاقتها.

.. هؤلاء المتقون ما لهم؟

{أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها. ونعم أجر العاملين} . .

فهم ليسوا سلبيين بالاستغفار من المعصية. كما أنهم ليسوا سلبيين بالإنفاق في السراء والضراء وكظم الغيظ والعفو عن الناس. . إنما هم عاملون. {ونعم أجر العاملين} . . المغفرة من ربهم، والجنة تجري من تحتها الأنهار بعد المغفرة وحب الله. . فهنالك عمل في أغوار النفس وهنالك عمل في ظاهر الحياة. وكلاهما عمل وكلاهما حركة وكلاهما نماء.

وهنالك الصلة بين هذه السمات كلها وبين معركة الميدان التي يتعقبها السياق. . وكما أن للنظام الربوي - أو النظام التعاوني - أثره في حياة الجماعة المسلمة وعلاقته بالمعركة في الميدان، فكذلك لهذه السمات النفسية والجماعية أثرها الذي أشرنا إليه في مطلع الحديث. . فالانتصار على الشح والانتصار على الغيظ والانتصار على الخطيئة والرجعة إلى الله وطلب مغفرته ورضاه. . كلها ضرورية للانتصار على الأعداء في المعركة. وهم إنما كانوا أعداء لأنهم يمثلون الشح والهوى والخطيئة والتبجح! وهم إنما كانوا أعداء لأنهم لا يُخضعون ذواتهم وشهواتهم ونظام حياتهم لله ومنهجه وشريعته. ففي هذا تكون العداوة وفي هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت