فهرس الكتاب

الصفحة 477 من 1257

تُسَلِّطهُمْ عَلَيْنَا فَيَفْتِنُونَا وَقَوْله تَعَالَى"وَاغْفِرْ لَنَا رَبّنَا إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم"أَيْ وَاسْتُرْ ذُنُوبنَا عَنْ غَيْرك وَاعْفُ عَنْهَا فِيمَا بَيْننَا وَبَيْنك"إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز"أَيْ الَّذِي لَا يُضَام مَنْ لَاذَ بِجَنَابِك"الْحَكِيم"فِي أَقْوَالك وَأَفْعَالك وَشَرْعك وَقَدَرك. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى"لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَة حَسَنَة لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّه وَالْيَوْم الْآخِر"وَهَذَا تَاكِيد لِمَا تَقَدَّمَ وَمُسْتَثْنًى مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ أَيْضًا لِأَنَّ هَذِهِ الْأُسْوَة الْمُثْبَتَة هَهُنَا هِيَ الْأُولَى بِعَيْنِهَا.

وَقَوْله تَعَالَى"لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّه وَالْيَوْم الْآخِر"تَهْيِيج إِلَى ذَلِكَ لِكُلِّ مُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْمَعَاد وَقَوْله تَعَالَى"وَمَنْ يَتَوَلَّ"أَيْ عَمَّا أَمَرَ اللَّه بِهِ"فَإِنَّ اللَّه هُوَ الْغَنِيّ الْحَمِيد"كَقَوْلِهِ تَعَالَى"إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْض جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّه لَغَنِيّ حَمِيد"وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس الْغَنِيّ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ وَهُوَ اللَّه هَذِهِ صِفَته لَا تَنْبَغِي إِلَّا لَهُ لَيْسَ لَهُ كُفْء وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء سُبْحَان اللَّه الْوَاحِد الْقَهَّار وَالْحَمِيد الْمُسْتَحْمَد إِلَى خَلْقه أَيْ هُوَ الْمَحْمُود فِي جَمِيع أَقْوَاله وَأَفْعَاله لَا إِلَه غَيْره وَلَا رَبّ سِوَاهُ. تفسير ابن كثير - (ج 17 / ص 107) فما بعد

وفي الظلال:

تبدأ السورة بذلك النداء الودود الموحي: يا أيها الذين آمنوا. . نداء من ربهم الذي آمنوا به، يدعوهم باسم الإيمان الذي ينسبهم إليه. يدعوهم ليبصرهم بحقائق موقفهم، ويحذرهم حبائل أعدائهم، ويذكرهم بالمهمة الملقاة على عاتقهم.

وفي مودة يجعل عدوهم عدوه، وعدوه عدوهم: (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة) . .

فيشعر المؤمنين بأنهم منه وإليه. يعاديهم من يعاديه. فهم رجاله المنتسبون إليه الذين يحملون شارته في هذه الأرض، وهم أوداؤه وأحباؤه. فلا يجوز أن يلقوا بالمودة إلى أعدائهم وأعدائه.

ويذكرهم بجريرة هؤلاء الأعداء عليهم وعلى دينهم وعلى رسولهم، وعدوانهم على هذا كله في تجن وظلم: (وقد كفروا بما جاءكم من الحق. يخرجون الرسول وإياكم. أن تؤمنوا بالله ربكم) . .

فماذا أبقوا بعد هذه الجرائر الظالمة للموالاة والمودة ? كفروا بالحق. وأخرجوا الرسول والمؤمنين، لا لشيء إلا لأنهم آمنوا بالله ربهم ? إنه يهيج في قلوب المؤمنين هذه الذكريات المرتبطة بعقيدتهم. وهي التي حاربهم المشركون من أجلها، لا من أجل أي سبب آخر. ويبرز القضية التي عليها الخلاف والخصومة والحرب. فهي قضية العقيدة دون سواها. قضية الحق الذي كفروا به والرسول الذي أخرجوه، والإيمان الذي من أجله أخرجوهم.

وإذا تمحضت القضية هكذا وبرزت، ذكرهم بأنه لا محل إذن للمودة بينهم وبين المشركين إن كانوا قد خرجوا من ديارهم ابتغاء رضوان الله وجهادا في سبيله: إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وإبتغاء مرضاتي. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت