الْفَسَادُ. وَقَالَ النَّيْسَابُورِيُّ: إنَّهُ أَتَى بِعَمَلٍ لَيْسَ فِيهِ فَائِدَةٌ، بَلْ فِيهِ مَضَرَّةٌ، أَوْ أَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ أَعْمَالَهُ السَّابِقَةَ لَمْ يَكُنْ مُعْتَدًّا بِهَا شَرْعًا. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: بِأَنَّ الْحُبُوطَ يَكُونُ بِإِبْطَالِ الثَّوَابِ، دُونَ الْفِعْلِ. وَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الرِّدَّةِ يُوجِبُ الْحَبْطَ، مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ. . .} أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: بِأَنَّ الْوَفَاةَ عَلَى الرِّدَّةِ شَرْطٌ فِي حُبُوطِ الْعَمَلِ، أَخْذًا مِنْ قوله تعالى:
{فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} فَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ فَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يُحْبَطُ ثَوَابُ الْعَمَلِ فَقَطْ، وَلَا يُطَالَبُ الْإِعَادَةُ إذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ وَمَاتَ عَلَيْهِ.
49 -يَجِبُ عَلَى مَنْ ارْتَدَّ وَتَابَ أَنْ يُعِيدَ حَجَّهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَنْ ارْتَدَّ ثُمَّ تَابَ أَنْ يُعِيدَ حَجَّهُ. أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ، بَلْ يُجْزِئُ الْحَجُّ الَّذِي فَعَلَهُ قَبْلَ رِدَّتِهِ.
تَاثِيرُ الرِّدَّةِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ:
50 -ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إلَى عَدَمِ وُجُوبِ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الَّتِي تَرَكَهَا أَثْنَاءَ رِدَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ كَافِرًا، وَإِيمَانُهُ يَجُبُّهَا. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ. وَنُقِلَ عَنْ الْحَنَابِلَةِ الْقَضَاءُ وَعَدَمُهُ. وَالْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ عَدَمُ وُجُوبِ الْقَضَاءِ. فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمُرْتَدِّ الَّذِي تَابَ صَلَاةٌ فَائِتَةٌ، قَبْلَ رِدَّتِهِ أَوْ صَوْمٌ أَوْ زَكَاةٌ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ؟ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْعِبَادَةِ مَعْصِيَةٌ، وَالْمَعْصِيَةُ تَبْقَى بَعْدَ الرِّدَّةِ. وَخَالَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي ذَلِكَ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَهُوَ بِتَوْبَتِهِ أَسْقَطَ مَا قَبْلَ الرِّدَّةِ.
51 -تَاثِيرُ الرِّدَّةِ عَلَى الْوُضُوءِ:
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ الْوُضُوءَ يُنْتَقَضُ بِالرِّدَّةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَنَفِيَّةُ وَلَا الشَّافِعِيَّةُ الرِّدَّةَ مِنْ بَيْنِ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ.
ذَبَائِحُ الْمُرْتَدِّ:
52 -ذَبِيحَةُ الْمُرْتَدِّ لَا يَجُوزُ أَكْلُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا مِلَّةَ لَهُ، وَلَا يُقَرُّ عَلَى دِينٍ انْتَقَلَ إلَيْهِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ دِينَ أَهْلِ الْكِتَابِ. إلَّا مَا نُقِلَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، مِنْ أَنَّ الْمُرْتَدَّ إنْ تَدَيَّنَ بِدِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ حَلَّتْ ذَبِيحَتُهُ. الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 22 / ص 180) فما بعدها
ـــــــــــــــ
وحديث ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ