فإن قيل: الأصل تصرف الإنسان في ماله مطلقًا، قيل له: الأصل الكلي والواقعة المعينة المخالفة لذلك الأصل لا تَعَارض بينهما كالعموم والخصوص. وفي الأصول أن الصحيح بناء العام على الخاص؛ ثم إنه ينشأ عن ذلك العقوق الذي هو أكبر الكبائر، وذلك محرّم، وما يؤدي إلى المحرّم فهو ممنوع؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:"اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم"قال النعمان. فرجع أبي فرد تلك الصدقة، والصدقة لا يعتصرها الأب بالإنفاق وقوله:"فارجعه"محمول على معنى فاردده، والرد ظاهر في الفسخ؛ كما قال عليه السلام:"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ"أي مردود مفسوخ. وهذا كله ظاهر قوي، وترجيح جلي في المنع.
الثالثة قرأ ابن وثَاب والنَخَعي «أَفَحُكْمُ» بالرفع على معنى يبغونه؛ فحذف الهاء كما حذفها أبو النجم في قوله: قد أصبحت أُم الخِيار تَدَّعي ... علي ذنبًا كلّه لم أصْنِع
فيمن روى «كلّه» بالرفع. ويجوز أن يكون التقدير: أفحكمُ الجاهلية حكمٌ يبغونه، فحذف الموصوف.
وقرأ الحسن وقَتَادة والأعرج والأعمش «أفَحَكَمَ» بنصب الحاء والكاف وفتح الميم؛ وهي راجعة إلى معنى قراءة الجماعة إذ ليس المراد نفس الحَكَم، وإنما المراد الحُكمْ؛ فكأنه قال: أفحُكمْ حَكَم الجاهلية يبغون. وقد يكون الحَكَم والحاكم في اللغة واحدًا وكأنهم يريدون الكاهن وما أشبهه من حكام الجاهلية؛ فيكون المراد بالحكم الشيوع والجنس، إذ لا يراد به حاكم بعينه؛ وجاز وقوع المضاف جنسًا كما جاز في قولهم: منعت مِصر إردبها، وشبهه.
وقرأ ابن عامر «تبغون» بالتاء الباقون بالياء.
وقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} هذا استفهام على جهة الإنكار بمعنى: لا أحد أحسن؛ فهذا ابتداء وخبر. و «حكما» نصب على البيان. لقوله {لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي عند قوم يوقنون. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 1729)
قال: (الذي نحن فيه اليوم هو هجر لأحكام الله عامة بلا استثناء، وإيثار أحكام غير حكمه في كتابه وسنة نبيه، وتعطيل لكل ما في شريعة الله، بل بلغ الأمر مبلغ الاحتجاج على تفضيل أحكام القانون الموضوع على أحكام الله المنزلة، وادعاء المحتجين لذلك بأن أحكام الشريعة إنما نزلت لزمان غير زماننا، ولعلل وأسباب انقضت، فسقطت الأحكام كلها بانقضائها) [30] .
وقال عن تعلق أهل الأهواء بكلام التابعي أبي مِجْلز السدوسي السابق: (اللهم إني أبرأ إليك من الضلالة، وبعد، فإن أهل الريب والفتن ممن تصدروا للكلام في زماننا هذا، قد تلمس المعذرة لأهل السلطان في ترك الحكم بما أنزل الله، وفي القضاء في الدماء، والأعراض، والأموال، بغير شريعة الله التي أنزلها في كتابه، وفي اتخاذهم قانون الكفر شريعة في بلاد الإسلام، فلما وقف على هذين الخبرين اتخذهما رأيًا يرى به صواب