فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 1257

البقرة: 193]. وتكون الفتنة بمعنى العِبرة؛ كقوله: {لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا} [الممتحنة: 5] و {لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظالمين} [يونس: 85] وتكون الفتنة الصدّ عن السبيل كما في هذه الآية. وتكرير {وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله} للتأكيد، أو هي أحوال وأحكام أمره أن يحكم في كل واحد بما أنزل الله. وفي الآية دليل على جواز النسيان على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قال:"أَنْ يَفْتِنُوكَ"وإنما يكون ذلك عن نسيان لا عن تعمد. وقيل: الخطاب له والمراد غيره. وسيأتي بيان هذا في «الأنعام» إن شاء الله تعالى. ومعنى {عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ الله إِلَيْكَ} عن كل ما أنزل الله إليك. والبعض يستعمل بمعنى الكل؛ قال الشاعر:

أو يَعْتَبِطْ بعضَ النّفوسِ حِمامُها ... ويُروى «أو يَرتَبِطْ» . أراد كل النفوس؛ وعليه حملوا قوله تعالى: {وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الذي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} [الزخرف: 63] قال ابن العربي: والصحيح أن «بعض» على حالها في هذه الآية، وأن المراد به الرجم أو الحكم الذي كانوا أرادوه ولم يقصدوا أن يفتِنوه عن الكل. والله أعلم.

قوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْا} أي فإن أبوا حكمك وأعرضوا عنه {فاعلم أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} أي يعذبهم بالجلاء والجزية والقتل، وكذلك كان. وإنما قال: «ببعض» لأن المجازاة بالبعض كانت كافية في التدمير عليهم. {وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الناس لَفَاسِقُونَ} يعني اليهود.

فيه ثلاث مسائل:

الأولى قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ} «أَفَحُكْمَ» نصب ب «يَبْغُونَ» والمعنى: أن الجاهلية كانوا يجعلون حكم الشريف خلاف حكم الوضيع؛ كما تقدم في غير موضع، وكانت اليهود تقيم الحدود على الضعفاء الفقراء، ولا يقيمونها على الأقوياء الأغنياء؛ فضارعوا الجاهلية في هذا الفعل.

الثانية روى سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن طاوس قال: كان إذا سألوه عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض يقرأ هذه الآية {أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ} فكان طاوس يقول: ليس لأحد أن يفضل بعض ولده على بعض، فإن فعل لم ينفذ وفِسخ؛ وبه قال أهل الظاهر. وروي عن أحمد بن حنبل مثله، وكرهه الثوري وابن المبارك وإسحاق؛ فإن فعل ذلك أحد نفذ ولم يردّ، وأجاز ذلك مالك والثوري والليث والشافعي وأصحاب الرأي؛ واستدلوا بفعل الصدّيق في نحله عائشة دون سائر ولده، وبقوله عليه السلام:"فارجعه"وقوله"فأشهِد على هذا غيري"واحتج الأولون ب"قوله عليه السلام لبشِير: «ألك ولد سوى هذا» قال نعم، فقال: «أَكلّهم وهبتَ له مثل هذا» فقال لا، قال: «فلا تُشهدني إذًا فإني لا أشهد على جَوْر» "في رواية"وإني لا أشهد إلا على حق"قالوا: وما كان جَوْرًا وغير حق فهو باطل لا يجوز. وقوله:"أشهِد على هذا غيري"ليس إذنًا في الشهادة وإنما هو زجر عنها؛ لأنه عليه السلام قد سماه جَوْرًا وامتنع من الشهادة فيه؛ فلا يمكن أن يشهد أحد من المسلمين في ذلك بوجه. وأما فعل أبي بكر فلا يعارض به قول النبي صلى الله عليه وسلم، ولعله قد كان نَحَل أولاده نُحلًا يعادل ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت