فهرس الكتاب

الصفحة 588 من 1257

إنَّ السَّمَاءَ مَخْلُوقَةٌ لَهُ، وَلَا يَحِلُّ الصَّانِعُ فِي صَنْعَتِهِ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبْلٍ رضي الله عنه الَّذِي كَانَتْ هِجْرَتُهُ قَدِيمَةً، وَتَمَكَّنَ مِنْ الْعِلْمِ، وَمِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ حِينَ سَأَلَهُ عليه الصلاة والسلام كَيْفَ أَصْبَحْت؟ فَقَالَ مُعَاذٌ: أَصْبَحْت مُؤْمِنًا حَقًّا فَقَالَ: عليه الصلاة والسلام لِكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةٌ فَمَا حَقِيقَةُ إيمَانِك؟ فَلَمْ يَكْتَفِ مِنْ مُعَاذٍ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ حَتَّى سَأَلَهُ عَنْ حَقِيقَةِ إيمَانِهِ، وَقَنَعَ مِنْ السَّوْدَاءِ بِمَا قَدْ ذَكَرَتْ لِأَجْلِ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْعِلْمِ، وَأَنْوَاعِ التَّعَبُّدِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. المدخل - (ج 3 / ص 252)

وقال تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ} (191) سورة البقرة

الجِهَادُ فِي سَبيلِ اللهِ فِيهِ إِزْهَاقٌ لِلأَنْفُسِ، وَقَتْلٌ لِلرِّجَالِ، لِذلِكَ نَبَّهَ اللهُ المُؤْمِنينَ إِلى أَنَّ مَا اشتَمَلَ عَليهِ الكَافِرونَ مِنَ الكُفْرِ بِاللهِ، وَالصَّدِّ عَنْ سَبيلهِ، هُوَ أَعْظَمُ مِنَ القَتْلِ، لِذلِكَ قَالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: (الشِّرْكُ أَشَدُُُّ مِنَ القَتْلِ) . وَنَهَى اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ عَنْ قِتَالِ المُشْرِكِينَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ لِحُرْمَتِهِ، إِلاَّ إِذَا بَدَأَهُمُ المُشْرِكُونَ بِالقِتَالِ. فَإِذا نَشِبَتِ الحَرْبُ كَانَ عَلَى المُؤْمِنينَ قِتَالُهُمْ وَقَتْلُهُمْ حَيْثُمَا وَجَدُوهُمْ، لأَنَّ هذا القِتَالَ هُوَ دَفْعٌ لِلاعْتِدَاءِ، وَجَزَاءٌ عَلَى نَكْثِ العَهْدِ، وَعَلَى مُبَاشَرَتِهِمْ بِالاعْتِدَاءِ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَلَوْ كَانَ ذلكَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ. وَيَامُرُ اللهُ المُؤْمِنينَ - إِذَا بَدَأَ المُشْرِكُونَ بِالاعتِدَاءِ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَقَاتَلُوهُمْ لِيَصُدُّوهُمْ عَنْ زِيَارةِ المَسْجِدِ الحَرَامِ - بِأَنْ يُخْرِجَ المُسْلِمُونَ المُشِرْكِينَ مِنْ مَكَّةَ، كَمَا أَخْرَجُوا الرَّسُولَ وَالمُؤْمِنينَ مِنْها، لأنَّ فِتْنَتَهُم المُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ بِالإِيذَاءِ وَالتَّعذِيبِ وَالإِخْرَاجِ مِنَ الوَطَنِ، وَمُصَادَرَةُ الأَمْوَالِ. . . كُلُّ ذلِكَ أَشَدُّ قُبْحًا مِنَ القَتْلِ فِي البَلَدِ الحَرَامِ.

وَاسْتَثْنَى اللهُ مِنْ قَتْلِ المُشْرِكِينَ، فِي كُلِّ مَكَانٍ أَدْرَكَهُمْ فِيهِ المُسْلِمُونَ، المَسْجِدَ الحَرَامَ، فَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا، إِلاَّ أَنْ يُقَاتِلَ فِيهِ وَيَنْتَهِكَ حُرْمَتَهُ، فَحِينَئذٍ لاَ يَكُونُ لَهُ أَمَانٌ، وَذلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ المَعْتَدِينَ.

وقال السعدي:

{وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} هذا أمر بقتالهم، أينما وجدوا في كل وقت، وفي كل زمان قتال مدافعة، وقتال مهاجمة ثم استثنى من هذا العموم قتالهم {عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} وأنه لا يجوز إلا أن يبدأوا بالقتال، فإنهم يقاتلون جزاء لهم على اعتدائهم، وهذا مستمر في كل وقت، حتى ينتهوا عن كفرهم فيسلموا، فإن الله يتوب عليهم، ولو حصل منهم ما حصل من الكفر بالله والشرك في المسجد الحرام، وصد الرسول والمؤمنين عنه وهذا من رحمته وكرمه بعباده.

ولما كان القتال عند المسجد الحرام، يتوهم أنه مفسدة في هذا البلد الحرام، أخبر تعالى أن المفسدة بالفتنة عنده بالشرك، والصد عن دينه، أشد من مفسدة القتل، فليس عليكم - أيها المسلمون - حرج في قتالهم.

ويستدل بهذه الآية على القاعدة المشهورة، وهي: أنه يرتكب أخف المفسدتين، لدفع أعلاهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت