يُحَذِّرُ الله تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ مِنْ أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ، وَهُمُ الْيَهُودُ هُنا، يَكْرَهُونَ المُسْلِمِينَ، وَيُبْطِنُونَ لَهُم العَدَاوَةَ، وَهُمْ يَعْمَلُونَ جَاهِدِينَ عَلَى رَدِّ المُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ، وَعَلَى إِعَادَتِهِمْ إِلَى الكُفْرِ، وَذلِكَ بِسَبَبِ حَسَدِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَخَوْفِهِمْ مِنْ أَنْ يَنْتَقِلَ السُّلطَانُ إِلَى المُسْلِمِينَ، بَعْدَ أَنْ تَأَكَّدُوا مِنْ أَنَّ الرَّسُولَ صَادِقٌ فِي رِسَالَتِهِ، وَأَنَّ مَا أُنزِلَ إِليهِ هُوَ الحَقُّ مِنْ عِنْدِ اللهِ. ثُمَّ يَامُرُ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يُعْفُوا عَنْ هؤلاءِ الكُفَّارِ الحُسَّادِ، وَبِأَنْ يَصْفَحُوا عَنْهُمْ، وَبِأَنْ يَحْتَمِلُوا أَذَاهُمْ حَتَّى يَاتِيَ أَمْرُ اللهِ بالنَّصْرِ أَوِ الفَتْحِ، وَاللهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ.
(هذا المَقْطَعُ مِنَ الآيةِ: {فاعفوا واصفحوا حتى يَاتِيَ الله بِأَمْرِهِ} مَنْسُوخٌ بآيَةِ السَّيْفِ، {فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى {قَاتِلُوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق مِنَ الذين أُوتُوا الكتاب حتى يُعْطُوا الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.} أيسر التفاسير لأسعد حومد -(ج 1 / ص 116)
وفي الظلال:
ثم يكشف للمسلمين عما تكنه لهم صدور اليهود حولهم من الشر والعداء، وعما تنغل به قلوبهم من الحقد والحسد، بسبب ما اختصهم به الله من الفضل. ليحذروا أعداءهم، ويستمسكوا بما يحسدهم هؤلاء الأعداء عليه من الإيمان، ويشكروا فضل الله عليهم ويحفظوه: (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم. والله يختص برحمته من يشاء. والله ذو الفضل العظيم) . .
ويجمع القرآن بين أهل الكتاب والمشركين في الكفر. . وكلاهما كافر بالرسالة الأخيرة فهما على قدم سواء من هذه الناحية؛ وكلاهما يضمر للمؤمنين الحقد والضغن، ولا يود لهم الخير. وأعظم ما يكرهونه للمؤمنين هو هذا الدين. هو أن يختارهم الله لهذا الخير وينزل عليهم هذا القرآن، ويحبوهم بهذه النعمة، ويعهد إليهم بأمانة العقيدة في الأرض، وهي الأمانة الكبرى في الوجود.
ولقد سبق الحديث عن حقدهم وغيظهم من أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، حتى لقد بلغ بهم الغيظ أن يعلنوا عداءهم لجبريل - عليه السلام - إذ كان ينزل بالوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم: (والله يختص برحمته من يشاء) . .
فالله أعلم حيث يجعل رسالته؛ فإذا اختص بها محمدا صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، فقد علم - سبحانه - أنه وأنهم أهل لهذا الاختصاص.
(والله ذو الفضل العظيم) . . وليس أعظم من نعمة النبوة والرسالة؛ وليس أعظم من نعمة الإيمان والدعوة إليه. وفي هذا التلميح ما يستجيش في قلوب الذين آمنوا الشعور بضخامة العطاء وجزالة الفضل، وفي التقرير الذي سبقه عما يضمره الذين كفروا للذين آمنوا ما يستجيش الشعور بالحذر والحرص الشديد. . وهذا الشعور وذاك ضروريان للوقوف في وجه حملة البلبلة والتشكيك التي قادها - ويقودها - اليهود،