فهرس الكتاب

الصفحة 1010 من 1257

وعد الله رسوله من شيء قط إلا علم أنه كائن قبل أن يكون، ولكن لم يزل البلاء بالرسل، حتى ظنوا خافوا أن يكون من معهم يكذبهم فكانت تقرؤها: (وظنوا أنهم قد كذِّبوا) مثقلة.

فعائشة جعلت استيأس الرسل من الكفار للمكذبين، وظنهم التكذيب من المؤمنين بهم، ولكن القراءة الأخري ثابتة لا يمكن إنكارها، وقد تأولها ابن عباس، وظاهر الكلام معه، والآية التي تليها إنما فيها استبطاء النصر، وهو قولهم: {مَتَى نَصْرُ اللّهِ} ، فإن هذه كلمة تبطيء لطلب التعجيل.

وقوله: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} قد يكون مثل قوله: {إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} [الحج: 52] ، والظن لا يراد به في الكتاب والسنة الاعتقاد الراجح، كما هو في اصطلاح طائفة من أهل الكلام في العلم، ويسمون الاعتقاد المرجوح وهمًا، بل قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث) ، وقد قال تعالى: {إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [يونس: 36] .

/ فالاعتقاد المرجوح هو ظن، وهو وهم، وهذا الباب قد يكون من حديث النفس المعفو عنه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز لأمتى ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل) ، وقد يكون من باب الوسوسة التي هي صريح الإيمان، كما ثبت في الصحيح أن الصحابة قالوا: يا رسول الله، إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يحَّرق حتى يصير حُمَمَة، أو يخر من السماء إلى الأرض، أحب إليه من أن يتكلم به. قال: (أو قد وجدتموه؟) قالوا: نعم. قال: (ذلك صريح الإيمان) ، وفي حديث آخر: إن أحدنا ليجد ما يتعاظم أن يتكلم به. قال: (الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة) .

فهذه الأمور التي هي تُعْرض ثلاثة أقسام: منها ما هو ذنب يضعف به الإيمان، وإن كان لا يزيله، واليقين في القلب له مراتب، ومنه ما هو عفو يعفي عن صاحبه، ومنه ما يكون يقترن به صريح الإيمان.

ونظير هذا: ما في الصحيح عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يرحم الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لَبِثْتُ في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي، ونحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال له ربه: {أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] ، وقد ترك البخاري ذكر قوله:(بالشك) لما خاف فيها من توهم بعض الناس [ذكر الإمام ابن تيمية أن البخاري ترك لفظة (بالشك) ، ولكن بالرجوع إلى صحيح البخاري وجد في أكثر من موضع إثبات لفظة ـ بالشك] .

ومعلوم أن إبراهيم كان مؤمنًا كما أخبر الله عنه بقوله: {أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى} ولكن طلب طمأنينة قلبه. كما قال: {وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} ، فالتفاوت بين الإيمان والاطمئنان سماه النبي صلى الله عليه وسلم شكا لذلك بإحياء الموتي، كذلك الوعد بالنصر في الدنيا يكون الشخص مؤمنًا بذلك، ولكن قد يضطرب قلبه فلا يطمئن، فيكون فوات الاطمئنان ظنا أنه قد كذب، فالشك مظنة أنه يكون من باب واحد وهذه الأمور لا تقدح في الإيمان الواجب، وإن كان فيها ما هو ذنب فالأنبياء ـ عليهم السلام ـ معصومون من الإقرار على ذلك، كما في أفعالهم على ما عرف من أصول السنة والحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت