فهرس الكتاب

الصفحة 1012 من 1257

وقد يقال: الاستيئاس ليس هو الإياس؛ لوجوه:

أحدها: أن إخوة يوسف لم ييأسوا منه بالكلية، فإن قول كبيرهم: {فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَاذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} دليل على أنه يرجو أن يحكم الله له. وحكمه هنا لابد أن يتضمن تخليصنا ليوسف منهم، وإلا فحكمه له بغير ذلك لا يناسب قعوده في مصر لأجل ذلك.

وأيضا، فـ (اليأس) : يكون في الشيء الذي لا يكون، ولم يجئ ما يقتضي ذلك، فإنهم قالوا: {يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ أَن نَّاخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ} [يوسف: 78، 79] فامتنع من تسليمه إليهم. ومن المعلوم أن هذا لا يوجب القطع بأنه لا يسلم إليهم، فإنه يتغير عزمه ونيته، وما أكثر تقليب القلوب، وقد يتبدل الأمر بغيره حتى يصير الحكم إلى غيره، وقد يتخلص بغير اختياره، والعادات قد جرت بهذا على مثل من عنده من قال لا يعطيه، فقد /يعطيه، وقد يخرج من يده بغير اختياره، وقد يموت عنه فيخرج، والعالم مملوء من هذا.

الوجه الثاني: قال لهم يعقوب: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] فنهاهم عن اليأس من روح الله، ولم ينههم عن الاستيئاس، وهو الذي كان منهم. وأخبر أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.

ومن المعلوم أنهم لم يكونوا كافرين فهذا هو الوجه الثالث ـ أيضًا: وهو أنه أخبر أنه: {لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} فيمتنع أن يكون للأنبياء يأس من روح الله، وأن يقعوا في الاستيئاس بل المؤمنون ما داموا مؤمنين لا ييأسون من روح الله، وهذه السورة تضمنت ذكر المستيئسين، وأن الفرح جاءهم بعد ذلك؛ لئلا ييأس المؤمن؛ ولهذا فيها: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ} [يوسف: 111] فذكر استيئاس الإخوة من أخي يوسف، وذكر استيئاس الرسل، يصلح أن يدخل فيه ما ذكره ابن عباس، وما ذكرته عائشة جميعًا.

الوجه الرابع: أن الاستيئاس استفعال من اليأس، والاستفعال / يقع على وجوه: يكون لطلب الفعل من الغير، فالاستخراج والاستفهام والاستعلام يكون في الأفعال المتعدية، يقال: استخرجت المال من غيري، وكذلك استفهمت، ولا يصلح هذا أن يكون معنى الاستيئاس، فإن أحدا لا يطلب اليأس ويستدعيه؛ ولأن استيأس: فعل لازم لا متعد.

ويكون الاستفعال لصيرورة المستفعل على صفة غيره، وهذا يكون في الأفعال اللازمة كقولهم: استحجر الطين، أي: صار كالحجر. واستنوق الفحل، أي: صار كالناقة. وأما النظر فيما استيأسوا منه، فإن الله ـ تعإلى ـ ذكر ذلك في قصة إخوة يوسف حيث قال: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ} .

وأما الرسل فلم يذكر ما استيأسوا منه، بل أطلق وصفهم بالاستيئاس، فليس لأحد أن يقيده بأنهم استيأسوا مما وعدوا به، وأخبروا بكونه، ولا ذكر ابن عباس ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت