موعد في الدنيا قريب، وكل متاع فيها قليل. ولا عاصم من الله ولا من يحول دون نفاذ مشيئته. سواء أراد بهم سوءًا أم أراد بهم رحمة، ولا مولى لهم ولا نصير، من دون الله، يحميهم ويمنعهم من قدر الله.
فالاستسلام الاستسلامَ. والطاعة الطاعة. والوفاء الوفاء بالعهد مع الله، في السراء والضراء. ورجع الأمر إليه، والتوكل الكامل عليه. ثم يفعل الله ما يشاء.
ثم يستطرد إلى تقرير علم الله بالمعوقين، الذين يقعدون عن الجهاد ويدعون غيرهم إلى القعود. ويقولون لهم: {لا مقام لكم فارجعوا} . . ويرسم لهم صورة نفسية مبدعة. وهي على صدقها تثير الضحك والسخرية من هذا النموذج المكرور في الناس. صورة للجبن والانزواء، والفزع والهلع. في ساعة الشدة. والانتفاش وسلاطة اللسان عند الرخاء. والشح على الخير والضن ببذل أي جهد فيه. والجزع والاضطراب عند توهم الخطر من بعيد. . والتعبير القرآني يرسم هذه الصورة في لمسات فنية مبدعة لا سبيل إلى استبدالها أو ترجمتها في غير سياقها المعجز: {قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم: هلم إلينا، ولا يأتون البأس إلا قليلًا. أشحة عليكم. فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت. فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد. أشحة على الخير. أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرًا. يحسبون الأحزاب لم يذهبوا. وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم. ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلًا} . .
ويبدأ هذا النص بتقرير علم الله المؤكد بالمعوقين الذين يسعون بالتخذيل في صفوف الجماعة المسلمة. الذين يدعون إخوانهم إلى القعود {ولا يأتون البأس إلا قليلًا} ولا يشهدون الجهاد إلا لمامًا. فهم مكشوفون لعلم الله، ومكرهم مكشوف.
ثم تأخذ الريشة المعجزة في رسم سمات هذا النموذج.
{أشحة عليكم} ففي نفوسهم كزازة على المسلمين. كزازة بالجهد وكزازة بالمال، وكزازة في العواطف والمشاعر على السواء.
{فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت} . .
وهي صورة شاخصة، واضحة الملامح، متحركة الجوارح، وهي في الوقت ذاته مضحكة، تثير السخرية من هذا الصنف الجبان، الذي تنطق أوصاله وجوارحه في لحظة الخوف بالجبن المرتعش الخوار!
وأشد إثارة للسخرية صورتهم بعد أن يذهب الخوف ويجيء الأمن:
{فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد} . .
فخرجوا من الجحور، وارتفعت أصواتهم بعد الارتعاش، وانتفخت أوداجهم بالعظمة، ونفشوا بعد الانزواء، وادعوا في غير حياء، ما شاء لهم الادعاء، من البلاء في القتال والفضل في الأعمال، والشجاعة والاستبسال. .
ثم هم: {أشحة على الخير} . .