وقال عز وجل محذّرًا عباده المؤمنين من الركون إلى الحياة الدنيا وما فيها من متاع زائل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التوبة:38، 39] ، وقال عز وجل: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24] .
والآيات في فضل الجهاد والترغيب فيه وبيان فضل المجاهدين كثيرة، والأحاديث كثيرة أيضًا، وأذكر طرفًا منها، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله: (( رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والرَّوْحَة يروحها العبد في سبيل الله أو الغَدْوَة خير من الدنيا وما عليها ) )رواه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم، وعن أبي هريرة قال: سئل رسول الله: أي العمل أفضل؟ قال: (( إيمان بالله ورسوله ) )، قيل: ثم ماذا؟ قال: (( الجهاد في سبيل الله ) )، قيل: ثم ماذا؟ قال: (( حج مبرور ) )رواه البخاري ومسلم، وعن أبي سعيد الخدري قال: أتى رجل رسول الله فقال: أي الناس أفضل؟ قال: (( مؤمن يجاهد بنفسه وبماله في سبيل الله تعالى ) )، قال: ثم من؟ قال: (( ثم مؤمن في شِعْب من الشِّعَاب يعبد الله ويدع الناس من شره ) )رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم، وقال رسول الله: (( إن الشيطان قعد لابن آدم بطريق الإسلام فقال: تسلم وتذر دينك ودين آبائك؟! فعصاه فأسلم فغفر له، فقعد له بطريق الهجرة فقال له: تهاجر وتذر دارك وأرضك وسماءك؟! فعصاه فهاجر، فقعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد وهو جهد النفس والمال فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال؟! فعصاه فجاهد ) )، فقال رسول الله: (( فمن فعل ذلك فمات كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، وإن وَقَصَتْه دابة كان حقًا على الله أن يدخله الجنة ) )رواه النسائي وابن حبان والبيهقي، وعن أبي هريرة قال: مرّ رجل من أصحاب رسول الله بشِعْب فيه عُيَينة من ماء عذبة فأعجبته فقال: لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشِّعْب، ولن أفعل حتى استأذن رسول الله، فذكر ذلك لرسول الله فقال: (( لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل الله تعالى أفضل من صلاته في بيته سبعين عامًا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟! اُغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فَوَاق ناقة وجبت له الجنة ) )رواه الترمذي والحاكم وقال:"صحيح على شرط مسلم". فَوَاق الناقة: هو ما بين رفع اليد عن ضرعها وقت الحلب ووضعها، وقيل: هو ما بين الحلبتين. وعن عمران بن حصين أن رسول الله قال: (( مقام الرجل في الصف في سبيل الله أفضل عند الله من عبادة الرجل ستين سنة ) )رواه الحاكم وقال:"صحيح على شرط البخاري".
الخطبة الثانية