فهرس الكتاب

الصفحة 1191 من 1257

ومن جهة أخرى فقد دلت سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه كان يخرج معه للجهاد من هم حديثو عهد بالإسلام لم يستوعبوا التوحيد بعد، كما حدث في غزوة حنين لما طلب منه مسلمو الفتح أن يجعل لهم ذات أنواط كما للمشركين!

فهل قال لهم الرسول عليه الصلاة والسلام ارجعوا ولا تجاهدوا حتى تتعلموا التوحيد، مع أنه من أوجب الواجبات؟

قطعا؛ لا! إنما اكتفى عليه الصلاة والسلام بزجرهم وتعليمهم أن طلبهم هذا مناف للتوحيد الذي بعث به. ولم يمنعهم هذا من متابعة المسير للقتال.

ومثل ذلك فعل مع الرجل الذي سأله عن الإسلام أو القتال، فدله عليه الصلاة والسلام على الإسلام الذي تقبل به الأعمال، ثم أمره بالقتال لأنه تعين في حقه لالتقاء الجمعان، فاستشهد ولم يسجد لله سجدة، وأجر كثيرا على قتاله كما روى البراء رضي الله عنه.

وأخبر عليه الصلاة والسلام أن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ...

وأخبار السلف في جهاد العصاة وحسن البلاء فيه مما يصعب حصره، حتى أنهم جعلوا من عقائدهم أن الجهاد ماض مع البر والفاجر إلى قيام الساعة.

فالتربية الصحيحة على هذا الدين تكون بالعمل بأحكامه وشرائعه والامتثال لأوامر الرحمن سبحانه، وبالسير على هدي نبيه، مع وجوب تعلم ما تصح به هذه الأعمال من أحكام عملية أو اعتقادية، فالمسلم يتربى بالجهاد و بالصلاة والزكاة والصيام والحج و الصدقة وحلقات الدروس وغير ذلك من أعمال البر التي تزكي الأنفس وتربيها على المعالي. وهو في تربية كلما حافظ على ذلك واجتهد فيه.

وتنقص تربيته كلما قصر وفرط في ما كلفه الله به، فكيف إذا كان الأمر متعلقا بذروة سنام الدين؟

وساحات الجهاد قد جمعت من صنوف التربية وشعب الإيمان ما لا يحصيه إلا الله، لهذا ترى المجاهدين على مر الأزمان من أحسن الناس أخلاقا وأعلاهم تربية وتمسكا بهذا الدين، كيف لا وقد تكفل الله سبحانه بهدايتهم سبله لجهادهم بأنفسهم وأموالهم في سبيله ولإعلاء كلمته، مع ما وعدهم من الفوز والنجاة في الآخرة.

ثم إن المقصر لا يكافأ على تقصيره بإسقاط التكاليف عنه! إنما يدعى لجبر تقصيره وللاجتهاد في بقية وجوه الطاعة. فأي حرمان هذا الذي يحرم به المقصرون من تكفير السيئات ورفع الدرجات عند الله عند تخلفهم عن الجهاد في سبيله؟

فمن غرائب هذا الزمان أن تصنف الصحوة اليوم إلى صنفين: صنف جهادي وصنف تربوي كأنهما مذهبان مختلفان لا يجتمعان ولا يلتقيان أو كأن التربية تدرك بغير جهاد!!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت