فهرس الكتاب

الصفحة 1220 من 1257

الصَّحابة حتّى قُتل في حرب مسيلمة مئاتٌ من القُرّاء، وهذه الحُجَّة باطلةٌ بوجود المفسدة المذكورة زمن النّبي صلى الله عليه وسلم دون أن يُعطّل الحكم لها، وبالنّصِّ على بطلانها، والرد عليها في الآيات: "قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت"، "قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتلُ إلى مضاجعهم.

كما تُخرج إيرادَ من يُورد جرَّ العدوِّ إلى بلاد المسلمين، لوجود ذلك زمن النّبيِّ صلى الله عليه وسلم، حين بادأ قريشًا بالقتال، وجاؤوا للمدينة في غزوة بدرٍ، وأحدٍ.

وتُخرج أيضًا: من يُورد ذهاب الأمنِ، وزعزعة البلاد، فإنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيق أخرج الجيوش، وقال: والله لو جرّت الكلاب أرجل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ما تركت إخراج الجيوش، أو كما قال رضي الله عنه، مع أنَّه إن كان ملزمًا بإخراج جيش أسامة بالنّصِّ، فإنَّ قتال المرتدِّين ليسوا كذلك، مع علمه بأنَّ بعض الأعراب حول المدينةِ كانوا يتربّصون.

ثانيًا: أنَّ المفسدة التي تُلغِي الحكم، هي الخارجة عن المعتاد في مثلِه، الزائدة عن المفسدة اللازمة لأصله.

وأمَّا القاعدة الثانيَّة، فلأنَّ من الأحكام ما بُني على نوعِ ضررٍ، فالموتُ إن ترتّب على واجب الأمر المعروف والنهي عن المنكر، كان ضررًا يسقط به الوجوب، أمَّا إن ترتّب على القتال فلا، لأنَّ القتال مبناه على تلف الأنفس والأموال.

كما أنَّ القتال يلزمُ منه ردُّ العدوِّ، وانتقامه، ومحاولة النيل من المسلمين، وحصول شيءٍ من مآربه هذه له ولا محالة، وقد سبى المشركون في أحدٍ امرأة من المسلمين، فهذه المفاسد لا يُعطَّل الجهاد لها، لأنَّها لم تخرج عن المعتاد في مثله، وهي ملازمةٌ لكل قتال وجهادٍ.

وهذا مطّردٌ في سائر الأحكام، فالزَّكاة يُدفع فيها المال الكثيرُ، ولا تكون كثرتُه مسقطةً لها، ولو أنَّ رجلًا ثريًّا احتاج الماء لطهارة الصَّلاة، فلم يحصل له إلاَّ بأكثر من ثمن المثل، لم يجب عليه أن يشتريه وجاز له التيمّم، وإن كان يدفع في الزَّكاة أضعاف أضعافِ ثمن المال، وهكذا.

ثالثًا: أنَّ المفسدة التي يُفضي اعتبارها إلى تعطيل شعيرةٍ من شعائر الدين لاغيةٌ.

وأمَّا القاعدة الثالثة: فإنَّ الاستدلال بالمفسدة على إلغاء حكمٍ من الأحكام، إن أريد به إلغاؤه لمدةٍ قليلةٍ، أو في مكانٍ دون مكانٍ، صحَّ، بخلاف ما إذا أُريد به تعطيل أصل الحكم، كما يفعل من يريد تعطيل الجهاد، فيستدلُّ بشيءٍ من أدلّتهم المعروفة، والتي لو طُردت لأغلق باب شعيرة الجهاد بالكلِّيَّة.

رابعًا: أنَّ الضرر الخاص يحتمل لدفع الضرر العام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت