فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 1257

يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَتَّقُوهُ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَذَلِكَ بِأنْ يُطاعَ فَلاَ يُعْصَى، وَأنْ يُشْكَرَ فَلا يُكْفَرَ، وَأنْ يُذْكَرَ فَلا يُنْسَى، وَيَقُولُ لَهُمْ: حَافِظُوا عَلَى الإِسْلاَمِ في حَيَاتِكُمْ لِتَمُوتُوا عَلَيهِ، فَمَنْ مَاتَ عَلَى شَيءٍ بُعِثَ عَلَيهِ.

يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِالتَّمَسُّكِ بِحَبْلِ اللهِ، أيْ بِعَهْدِهِ وَدِينِهِ وَذِمَّتِهِ وَقُرْآنِهِ، وَمَا أمَرَهُمْ بِهِ مِنَ الإِلْفَةِ وَالمَحَبَّةِ وَالاجْتِمَاعِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ التَّفَرُّقِ، وَيَطْلُبُ إلَيْهِمْ أنْ يَذْكُرُوا نِعْمَتَهُ عَلَيهِمْ إذْ ألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَآخَى بَيْنَهُم بَعْدَ العَدَاوَةِ المُسْتَحْكِمَةِ، وَالفُرْقَةِ التِي كَانَتْ بَيْنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ، فَقَدْ كَانُوا عَلَى مِثْلِ شَفِيرِ النَّارِ، بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وَضَلاَلِهِمْ وَاقْتِتَالِهِمْ، فَهَدَاهُمُ اللهُ وَأَنْقَذَهُمْ.

وَكَمَا بَيَّنَ لَهُمْ رَبُّهُمْ، فِي هَذِهِ الآيَاتِ، مَا يُضْمِرُهُ لَهُمُ اليَهُودُ مِنْ شَرٍّ وَخِدَاعٍ وَغِشٍّ، وَمَا كَانُوا عَلَيهِ فِي حَالِ جَاهِلِيَّتِهِمْ مِنْ كُفْرٍ وَفُرْقَةٍ وَاقْتِتَالٍ، وَمَا صَارُوا إليهِ بِفَضْلِ الإِسْلاَمِ مِنْ وَحْدَةٍ وَإِخَاءٍ، كَذَلِكَ يُبَيِّن سَائِرَ حُجَجِهِ فِي تَنْزِيلِهِ عَلَى رَسُولِهِ، لِيُعِدَّهُمْ لِلاهْتِدَاءِ الدَّائِمِ، حَتَّى لا يَعُودُوا إلى عَمَلِ أهْلِ الجَاهِلِيَّةِ مِنَ التَّفَرُّقِ وَالعَدَاوَةِ وَالاقْتِتَالِ.

لِتَكُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ جَمَاعَةٌ مُتَخَصِّصَةٌ مُتَمَيِّزَةٌ تَعْرِفُ أَسْرَارَ الأَحْكَامِ، وَحِكْمَةَ التَّشْرِيعِ وَفِقْهَهُ، تَتَولَّى القِيَامَ بِالدَّعْوَةِ إلى الدِّين، وَتَأمُرُ بِالمَعْروفِ، وَتُحَارِبُ المُنْكَرَ، وَتَنْهَى عَنْهُ، وَمِنْ وَاجِبِ كُلِّ مُسْلِمِ أنْ يُحَارِبَ المُنْكَرَ مَا اسْتَطَاعَ إلى ذَلِكَ، وَهَؤُلاءِ هُمُ الفَائِزُونَ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ.

يَنْهَى اللهُ تَعَالَى المُسْلِمِينَ عَنْ أنْ يَكُونُوا كَأهْلِ الكِتَابِ الذِينَ تَفَرَّقُوا فِي الدِّينِ، وَكَانُوا شِيعًا تَذْهَبُ كُل شِيعَةٍ مِنْهَا مَذْهَبًا تَدْعُو إليهِ، وَتُخَطِّئُ غَيْرَها، وَلِذَلِكَ تَعَادَوْا وَاقْتَتَلُوا.

وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ جَمَاعَةٌ تَامُرُ بِالمَعْرُوفِ، وَتَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ، وَتَتَّجِهُ إلى غَايَةٍ وَاحِدَةٍ، لَمَا تَفَرَّقُوا، وَلَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ. وَهَؤُلاءِ المُخْتَلِفُونَ المُتَفَرِّقُونَ لَهُمْ عَذَابٌ وَخُسْرَانٌ فِي الدُّنيا، وَعَذَابٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ فِي الآخِرَةِ.

وَفِي يَوْمِ القِيَامَةِ تَبْيَضُ وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ، وَيُسَرُّونَ لِمَا يَعْمَلُونَهُ مِنْ حُسْنِ العَاقِبَةِ. وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أهْلِ الكُفْرِ وَالضَّلاَلَةِ وَالاخْتِلافِ، لِمَا يَرَوْنَهُ مِنْ سُوءِ العَاقِبَةِ، وَمَا يَحِلُّ بِهَا مِنَ النَّكَالِ وَالوَبَالِ. وَيَسْألُ الذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ أهْلِ النِّفَاقِ وَالاخْتِلاَفِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: أَكَفَرْتُمْ بِاللهِ، وَخَالَفْتُمْ مَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنَ الاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللهِ، وَبِالوِفَاقِ وَاتِّحَادِ الكَلِمَةِ؟ فَذُوقُوا العَذَابَ الذِي تَسْتَحِقُونَهُ بِسَبَبِ كُفْرِكُمْ.

وَأَمَّا المُؤْمِنُونَ الذِينَ ابْيضَّتْ وُجُوهُهُمْ بِالإِيمَانِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، وَباتِّحَادِ الكَلِمَةِ، وَعَدَمِ التَّفَرُّقِ، فَيَكُونُونَ فِي الدُّنيا فِي نَعِيمٍ، مَا دَامُوا عَلى تِلْكَ الحَالِ، وَيَكُونُونَ فِي الآخِرَةِ فِي رَحْمَةِ اللهِ وَرِضْوَانِهِ، وَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ لِيَكُونُوا فِيهَا خَالِدِينَ أبَدًا.

وَهَذِهِ آيَاتُ اللهِ وَحُجَجُهُ وَبَيِّنَاتُهُ نَتْلُوهَا عَلَيك، يَا مُحَمَّدُ، مُقَرِّرَةً مَا هُوَ الحَقُّ الذِي لاَ مَجَالَ لِلشُّبْهَةِ فِيهِ (بِالحَقِّ) ، لِتَعْرِفَ أَمْرَ الدُّنيا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ حَاكِمٌ عَادِلٌ لاَ يُرِيدُ ظُلْمًا بِالعِبَادِ، لأنَّهُ قَادِرٌ قَاهِرٌ لاَ يَحْتَاجُ إلَى ظُلْمِ مُخَالِفي أمْرِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت